"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين. أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، و (أحمد) اسمه، أهدي به بعد الضلال، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخَمالة، وأُسمّي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيْلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، لا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً".
ذلك مما هو في الكتب السابقة من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولا شك أن ذلك تنويهٌ وإشادةٌ به وتشريفٌ وتكريمٌ له صلى الله عليه وسلم .
الوجه الثالث: ختم النبوات بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم
قال تعالى: { ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } .. ودائماً ماذا نقول في حديثنا المعتاد ؟ ألا نقول:"ختامه مسك"؟! أليس آخر عملٍ تعمله يكون أكثر اتقاناً وأوضح كمالاً ؟!
ولذلك من وجوه الحكم الجميلة استطراداً أقول ما ذكره ابن القيم رحمه الله في خلق آدم قال:"جعل الله خلق آدم وهو أبو البشر متأخراً عن خلق كثيرٍ من المخلوقات من الملائكة والجن وغيرهم ، ولا يكون المؤخر إلا معظماً - وذكر وجوه العظمة في خلق آدم - ورسولنا صلى الله عليه وسلم والأنبياء صفوة الخلق ، والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ، ومع ذلك هذه الصفوة لا شك أن يكون خاتمها وصفوة الصفوة عليه الصلاة و السلام ، ونحن نعلم أن الأخير هو الأكمل ، وأن الخاتم هو الأفضل ؛ فكانت نبوته ، وكانت شخصيته ، وكانت عظمته أتم وأكمل شيءٍ في سلسلةٍ ذهبيةٍ مشعةٍ مضيئةٍ من رسل الله وأنبياءه عليهم صلوات الله وسلامهم أجمعين".
وإن كان سيدنا صلى الله عليه وسلم بتواضعه يقول: ( لا تفضلوني على الأنبياء ) ، ويقول: ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) ، لكنه قال: ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) .
في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري ومسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ) ، وهذا من وجوه العظمة .
الوجه الرابع: عموم رسالة صلى الله عليه وسلم
عندما يكون هناك إنسان له قدرات معينة مثلاً مدرس متخصص في علوم التاريخ ماذا يدرس ؟ يدرس مادة التاريخ ، لكن لو قيل لك إن مدرساً معيناً جعلوه يدرس التاريخ والجغرافيا والفيزياء والكيمياء ونحو ذلك ، وقالوا لك: إنه جيد ! ماذا ستقول عنه ؟ ستقول إنه رجلٌ عظيم لأنه استطاع أن يفعل هذا كله ، أو يستطيع أن يقوم بمهماتٍ عديدة لا يقوم بها إلا أشخاصٌ كثر ..
والله جل وعلا يقول في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته ، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيرا } ، { وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين }
بعثه الله إلى الثقلين من الإنس والجن منذ بعثته وإلى قيام الساعة .. كل البشر منذ بعثته إلى قيام الساعة هم من أهل أمة الدعوة التي توجه إليها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعون إلى الإسلام وإلى القرآن ، وإلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
في حديث جابر بن عبد الله المشهور قال عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي: كان كلّ نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كلّ أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد من قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا أو مسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة ) .
إذاً لن تكون هذه المهمة الواسعة لكل الناس ، وليست لقومٍ معينين ، ولا لوقعة معينة إلا لمن له عظمةٌ تتناسب مع هذه المهمة الكبيرة التي لا تحدها الجغرافيا ، ولا يقطعها الزمن ، ولا تتعلق ببيئةٍ ، ولا بلغةٍ ولا بثقافةٍ ؛ بل رسالةٌ شاملةٌ عامةٌ أنيطت بخير الخلق صلى الله عليه وسلم وهو لها أهلٌ ، ولعظمتها كان هو كذلك عظيماً كعظمة ما أسنده الله عز وجل إليه ، وما كلفه به وابتعثه لأجله في هذه البشرية .
الوجه الخامس: الأقسام الربانية المتعلقة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم
وهذه وجوه عظمةٍ لم تكن لأحدٍ من الخلق إلا له عليه الصلاة والسلام .. أقسم الله بحياته فقال جل وعلا: { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمون } .