قال ابن عباسٍ رضي الله عنه:"ما حلف الله تعالى بحياة أحدٍ إلا بحياة محمدٍ صلى الله عليه وسلم"، ثم ذكر هذه الآية . رواه البيهقي عن ابن أبي شيبة .
وكلنا ندرس في التفسير: { والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها } فهذا قسمٌ ، والله عز وجل له شاء أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ، ولا شك أن هذا القسم لفت نظرٍ إلى تعظيم هذه المخلوقات التي قسم الله بها .. فكيف وهو يقسم بحياة محمدٍ صلى الله عليه وسلم إن ذلك دلالة تعظيمٍ لهذه الحياة ولصاحبها عليه الصلاة والسلام .
وأقسم الله عز وجل ببلده قال سبحانه وتعالى: { لا أقسم بهذا البلد * وأنت حلٌ بهذا البلد } .
وأقسم الله سبحانه وتعالى له - أي للأمور المتعلقة به - كما في قوله: { وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } .
هذا القسم كان لنفي القطيعة التي زعمتها قريش عندما فتر الوحي قليلاً في أول ما نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام .
وأيضاً قوله تعالى: { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى } .
الأمر أيضاً بعد القسم متعلقٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلك وجوه عظمةٍ لا تخفى ولا تحتاج إلى تعليق .
الوجه السادس: رفع ذكره وتقدير جسمه صلى الله عليه وسلم
والله جل وعلا قال: { ورفعنا لك ذكرك } ، قال القاضي عياض في [ الشفاء في حقوق المصطفى ] كلامً نفيساً جميلاً ، معناه:"أي فلا يذكر الله جل وعلا إلا وتذكر معه"؛ فنحن إذا جئنا لندخل في الإسلام أو لنذكر الشهادة قلنا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله هذا ذكر ليس فيه مقارنه محمد عليه السلام عبد الله ورسوله ، لكن إذا ذكرنا توحيد الله وإخلاص العبادة ذكرنا نبوة ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم إذا جئنا في الصلاة نصلي فنذكر الله ، ثم نصلي بالصلاة الإبراهيمية فنذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تكاد تجد ذكراً إلا وفيه ذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فلا يمر بك - أيها المسلم - يومٌ إلا وأنت تذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام .. في الأذان تذكره ، في الصلاة تذكره ، في كثيرٍ من الأذكار تذكره .. كلما ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم صليت عليه مع من يصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام .. فذكره مما لا يكاد ينقطع منه المسلم بحالٍ من الأحوال ، وهذا من عظمة ما أكرم الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وسلم .
والتقديم لاسمه إذا ذكر الأنبياء - كما هو في القرآن - فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام مذكورٌ في مقدمتهم ، كما في قوله جل وعلا: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب .. } إلى آخر الآية .
وكذلك: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوحٍ وإبراهيم وموسى وعيسى .. }
هؤلاء الذين هم أولو العزم من الرسل ذكر في مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
سابعاً: التكفّل الرباني بالحفظ المتعلق به
وقد جاء الحفظ له ، وجاء الحفظ لكتابه ، ولسنته صلى الله عليه وسلم ..
أما الحفظ له - عليه الصلاة والسلام - فقد قال جل وعلا: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } .
كان النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر يحرسه حرسٌ من الصحابة ، يتناوبون حراسته ليلاً ونهاراً ؛ خوفاً عليه من الأعداء ، فلما نزلت هذه الآية رفع الحرس .
ومن لطائف ما ذكر من محبة وتعظيم الصحابة - وإن كنت سأذكر ذلك لكن فيما خطر الذهن قد يكون أحياناً أولى - لما قفل النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر ، وتزوّج صفية بنت حيي بن أخطب - زعيم اليهود الذي كان من ألدّ أعداء الإسلام وقتل - فلما بنى النبي عليه السلام بهذه الزوجة - من أمهات المؤمنين - كان في طريق عودته إلى المدينة ، وعملت له قبة فدخل عليها ، فلما أصبح الصبح نظر النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا عند قبته أبو أيوب الأنصاري قائمٌ بسيفه ، قال: ما لك يا أبا أيوب ؟! قال: والله يا رسول الله خشيت عليك هذه المرأة ؛ قد قتلت أبوها وأخوها وقومها فخشيتها عليك يا رسول الله !
فنزلت هذه الآية: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } .
الرسول عليه السلام يأتيه وحي مسدد ، لكن الصحابة كانت قلوبهم معلقة به عليه الصلاة والسلام فخافوا عليه ذلك لذا نزلت هذه الآية ؛ فكانت عصمةً لرسول الله عليه الصلاة والسلام .
ثم كذلك نعلم جميعاً قول الله سبحانه وتعالى: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون } .
وكلنا نعلم كذلك حفظ الله جل وعلا لكتابه: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ، وحفظ السنة التي تشرح القرآن تبعٌ لذلك ، وهذا لم يكن إلا لرسولنا صلى الله عليه وسلم ..