فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
من أعظم وجوه العظمة هو ما أخرجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه البشرية من أعيان أصحابه رضوان الله عليهم وما كانوا عليه من إيمانٍ وتقوى وهدي وصلاح ، وما كانوا عليه من قوةٍ وحسن عملٍ ؛ حتى شرقوا في الأرض وغربوا ، وفتحوا القلوب والبلاد ، وأصلحوا العباد ، وكان خيرهم رضوان الله عليهم ..
أساسٌ ما زلنا إلى يوم الناس هذا نتفيأ ظلاله ، وننتفع بما كان مما صنعوه خدمةً لدينهم ، وتبليغاً لدعوتهم ، واتباعاً لرسولهم صلى الله عليه وسلم وقبل ذلك استمساكاً بكتاب ربهم سبحانه وتعالى .
وهذا بابٌ واسعٌ ، وهو حريٌ وجديرٌ أن يكون لافتاً للنظر ؛ بل إن بعض غير المسلمين وخاصةً من المعاصرين المستشرقين كان أكثر ما يذكرونه في وجوه عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه استطاع أن يحول أمةً عابثةً لاهيةً قاصرة ، ليس عندها إلا الحروب فيما بينها ، وليس عندها طموحاتٌ ولا آمال .. ثم حولها إلى أمةٍ ملكت ثلثي المعمورة التي كانت معروفة في ذلك الوقت ، في زمنٍ وجيزٍ من عمر الزمان ..
حتى جاء عقبة بن نافع بعد دهرٍ طويل وهو يخاطب البحر ويقول:"لو أني أعلم أني وراءك أرضٌ لخضتك في سبيل الله عز وجل".
وحتى بر الأمير المسلم بقسمه ، وجاءوا له بترابٍ من الصين ليطأ عليه بقدمه إبراراً لقسمه ؛ وحتى وقفت جيوش المسلمين على أبواب النمسا في القرون القريبة الماضية ، ودخلوا في عهد عبد الرحمن الغافقي التابع إلى جنوب فرنسا ..
المسلمون الرجال العظام الذين خرجتهم مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنجبهم الصحابة رضوان الله عليهم هم أعظم ثروةٍ ، وأعظم دليلٍ على عظمة رسول الله عليه الصلاة والسلام .
ننتقل إلى بعض التوجيهات المباشرة لنا في كيفية تحقيق تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم
جاءتنا آيات توجهنا:
أولها: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } .
بعض الناس يقول محمد بن عبد الله كأنه يتحدث عن محمد هذا ابنٍ من أبناءه ، أو صديق من أصدقاءه .. لا ينبغي ذلك لا يذكر النبي عليه الصلاة والسلام إلا بذكر نبوته ورسالته ، إلا بذكر ما ينبغي له من التوقير والتعزير والتعظيم والتبجيل ، وذكر فضله عليه الصلاة والسلام .
قال الطبري في تفسيره في هذه الآية:"نهيٌ من الله أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلظٍ وجفاءٍ ، وأمرٌ لهم أن يدعوه بلينٍ وتواضع ، أمرهم أن يدعوه ولا يقولوا: يا محمد". كما جاء عن بعض الأعراب ، عندما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه ، دعوه وهو في حجراته في عزّ الظهيرة ، في وقت الراحة: يا محمد .. يا محمد أخرج إلينا !
فنزلت الآية: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } .
ثانياً: قول الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميعٌ عليم } لا ينبغي لك أن تسارع إلى الأشياء ، وأن تبدي الآراء قبل أن تعرف ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم والآيات الجامعة في التوجيهات لنا .
ثالثاً: قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعامٍ غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي } .
فكل ما يدخل في هذه الدائرة ممنوعٌ منه .
رابعاً: قول الله جل وعلا: { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابً مهيناً } .
قال ابن تيميه رحمه الله في استدلاله:"استدلوا بها على وجوب قتل من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم"
ولذلك ابن تيميه ألّفَ كتابه المشهور [ الصارم المسلول على شاتم الرسول ] وأخبر فيه ، ودلّ فيه على أن من اعتدى على رسول الله عليه الصلاة والسلام بالشتم - والعياذ بالله - فإنه مباح الدم ؛ لأن هذا أمرٌ عظيم ، وفيه إنذارات كثيرة ؛ منها: أنه قرن الله عز وجل وآذاه بأذاه ، ومنها أنه قرن طاعته بطاعته .. والخطاب أيضاً: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } .
وقد قال العلماء في هذه الآية كلاماً نفيساً ، قالوا:"ولا يجوز تبعاً لذلك رفع الصوت ، واللغط عند قبره صلى الله عليه وسلم ؛ فإن حرمته ميتاً كحرمته حياً".
ولذلك لما جاء اثنان من الناس من أهل الطائف ، وجاءوا إلى المدينة في عهد عمر وتكلموا ، ورفعوا أصواتهما عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر بهما عمر ، فجيء بهما ، قال: من أين أنتما ؟ قالا: نحن من الطائف ! قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً ، ترفعان أصواتكما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألم تسمعا قول الله جل وعلا: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } .