فهرس الكتاب

الصفحة 5669 من 9994

انظروا كيف كان الأمر في شأن ما كان من يوم أحد ، لما دمي وجهه الشريف ، ودخلت حلقتا المغفّر في وجنتيه ، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام ، ثم هاهو يقول: ( اللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون ) .

ويوم جاءه ملك الجبال فقال: أطبق عليهم الأخشبين ؟! قال: ( لا لعلّ الله يخرج من أصلابهم من يوحّد الله ورسوله ) .

كان كل شيءٍ في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع كل خفقة قلبٍ ، ومع كل دفقة دمٍ في عروقه ، كل ذلك دعوته ورسالته ودينه الذي كان هو أوكد همّه ، وأعظم شغله هو الذي في كل حركةٍ وسكنهٍ ، في كل لفظة وسكونٍ ..

كان كل همه تلك الدعوة كيف يغرسها في القلوب !

الموقف الأخير: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على جارٍ يهودي له ، وابنه غلامٌ في مرض الموت - والقصة معروفة - وسلم وهو لم يسلم ، وهذا ابنه في مرض الموت ، عاده النبي صلى الله عليه وسلم وزاره فماذا قال له ؟ قال له: أسلم - قل لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ؛ حتى تنجو من النار - فنظر الغلام إلى أبيه ، فقال له: أطع أبا القاسم - شخصيه عظيمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى هؤلاء الذين لم يؤمنوا كانوا يرون عظمته - قال: أطع أبا القاسم ؟ فقال الغلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله .

فتركه النبي عليه الصلاة والسلام وخرج ، ثم لم يلبث أن مات ، فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي نجاه من النار .

انظروا إلى فرحه ! يفرح بهداية الناس ..

نحن اليوم إذا رأينا مخطئاً ، دعينا عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور ، واكفهرت وجوهنا في وجهه ، وأصبحنا عونٌ للشيطان عليه ! وأما النبي عليه الصلاة والسلام فكان يفتح صدره وقلبه .

الغلام الشاب كما في حديث مستند أحمد ، لما جاء يقول للرسول صلى اله عليه وسلم: ائذن لي بالزنا - أسلم ولكنه كان يريد أن يمارس هذه الشهوة ، وتعرفون قوتها وتمكنها من النفس - فهل قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أغرب عن وجهي !!

لو جاءنا أحد اليوم يسألني أو يسأل أحد تقول له على أقل تقدير:"ألا تستحي ؟! كيف تقول لي مثل هذا الكلام ؟!"لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أترضاه لأمك ؟ أترضاه لأختك ؟ فكان يقول: لا ، فقال: والناس لا يرضونه ، ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له ، قال: فما كان شيءٌ أبغض عليّ من الزنا .

انظر إلى هذا السمو العظيم الذي كان في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا من وجوه العظمة أكثر ربما من وجوه العظمة التي ذكرناها .

والوجه الثاني: سمو التربية الرجال الذين أخرجهم محمد صلى الله عليه وسلم

عمر رضي الله عنه ماذا كان يقول ؟ قال: كنا نعبد أصناماً أحياناً من تمر ، فإذا جعنا أكلناها !

ماذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته ؟ من هو أبو بكر ؟ من هو عمر ؟ من هؤلاء الناس ؟ عرب لا يعرف أحد لهم شيء ولا ذكر .. عندهم من الخصال الذميمة ، وعندهم من الأحوال البغيضة ، وعندهم من الجاهلية المستحكمة ما هو عظيمٌ جداً ، لا يكاد ينفع فيه شيءٌ من هذا الذي يمكن أن نقول !

اسمعوا لقول عتاب بن أسيد رضي الله عنه - وقد ولي أمر مكة - يقول: كنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، والله ما لنا طعامٌ إلا ورق الشجر في أيام الحصار ، وما منا اليوم إلا أميرٌ على مصرٍ من الأمصار !

لقد خرّج الرسول صلى الله عليه وسلم قادة عظاماً ، خرّج حزم وقيادة أبي بكر ، وخرّج عدالة عمر ، وخرّج حياء عثمان ، وخرّج شجاعة علي ..

وكان أعظم وجوه عظمته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعرف الرجال ، فقال لعمر: ( لو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير فج عمر )

وقال في وصف أصحابه: ( أرحمهم أبا بكر ، وأصدقهم لهجةً عمر ، وأشدهم حياء عثمان ، وأشجعهم علي ، وأقرأهم أُبي ، وأفرضهم زيد ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل .. )

كان يعرف كل الرجال ، كان يعرف كيف يدخل إلى القلوب .. كيف يغير العوائد .. كيف يغير حتى أخرج لنا هذه الكوكبة العظيمة ، التي لن يكون لها مثيل في جملتها في وقتٍ واحدٍ وزمنٍ واحدٍ أبداً .

في التاريخ قد يكون آحاد من الناس لهم مراتب ، أو ربما مناقب ، أو ربما عبادات أو إيمانيات أو أعمال صالحة أو نحو ذلك تقرب من بعض الصحابة ، لكن لم يكون هناك جيل تجتمع فيه من الخصائص والصفات وخير والعمل مثلما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم .

نحن اليوم إذا جاء أب وربى أبناءه ، وكانوا علماء ، وكانوا صالحين ، وكانوا ذوو أخلاقٍ حسنة .. ماذا يقول الناس عنه ؟

يقولون: فلان يكفيه هذا الابن من أبناءه ، خلّفه وجعله في هذا الوضع أو في هذا الحال .. فكيف بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ؟

كما قال شوقي:

يكفيه شعبٌ من الأموات أحياه

أي عظمةٍ من عظمة تخريج الرجال وصناعة الرجال ، وليس هناك أحدٌ صنع مثلما صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام في مثل هذا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت