الوجه العاشر: خيرية أمته وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين
من أثر كل هذا التعظيم لرسول الله انعكس الأثر على أمته ، قال تعالى: { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا } ، { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } .
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( بعثت من خير قرنٍ من بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن التي كنت فيه ) .
وتعرفون قوله: ( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) وهكذا .. هذه وجوهٌ أخرى من وجوه العظمة .
وجوهٌ خاصةٌ بعظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة
كل ما ذكرناه متعلق بالدنيا ، لكن العظمة في يوم القيامة ، في الحمد وفي غير الشفاعة العامة بين الخلق ، وفي أمورٍ أخرى: أول من يفتح باب الجنة ، وأول من يدخل الجنة .. نصوصٌ كثيرة ، وخصائص وعظمةٌ خاصة بذلك ترجعون إليها وتطالعونها .
عظمةٌ ذاتية وعظمةٌ انجازية
عظمة الانجاز في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أتناولها من وجهين:
أولاً: العظمة في سمو الدعوة
سمو دعوة النبي عليه الصلاة والسلام منذ أن نزل قوله جل وعلا: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ثم تلا ذلك: { يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر } إلى قوله جل وعلا: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } .
قام النبي عليه الصلاة والسلام فلم يجلس ، وتحرك فلم يسكن ، ونطق فلم يسكت ، وجاهد فلم يداهم .. كانت حياته من أولها إلى آخرها دعوة ، وحمل أمانة الله ، وبلغ رسالة الله ، وأدّى أداءً عظيماً ، هو أجلى ما يكون في صورة الآية القرآنية ، التي تأتي في الكلام على الرسل والأنبياء ، وما على الرسل إلا البلاغ المبين .
ثم إذا رأينا سمو الدعوة في جانبٍ آخر غير الجهد والجهاد ، والبذل والتضحية ، لأن نوحاً عليه السلام مضرب مثلٍ ، قال تعالى: { ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً } أليس كذلك ؟!
لكن كل الابتلاء الذي مر بالرسل والأنبياء وكل الجهد الذي بذله الرسل والأنبياء وجد في سيرة ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم ما هو جامعٌ لكل ما تفرق من دعوة .. إصرارٍ وإعلان ، ومن دعوة ملأ ، ودعوة خواص ، ومن موافقون ومخالفون ، ومن ابتلاءٍ بالهجرة ، أو ابتلاء بالقتال ، أو ابتلاءٍ بالكيد ، أو ابتلاءٍ بالاستهزاء ، أو ابتلاءٍ بالإغواء ، أو ابتلاءٍ بالإغراء .. كل ما تفرّق في سير الأنبياء جمع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان كما نعلم على ذلك القدر العظيم في دعوته عليه الصلاة والسلام .
وجهٌ ثالث: سموه في دعوته على حظوظ نفسه صلى الله عليه وسلم
وهذا الذي سبى قلوب الناس ، وخطف أبصارهم ، وأمالَ نفوسهم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، والأحداث في سيرته كثيرةٌ جداً ..
أذكر على وجه السرعة: الرجل الذي جاء ، والنبي عليه السلام نائمٌ تحت ظل شجرةٍ ، وأخذ السيف وقال: ما يمنعك مني يا محمد ؟! فقال عليه الصلاة والسلام: الله ، فارتعد الرجل ، وارتعدت فرائضه ، وسقط سيفه من يده ، فأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني ؟! قال: كن خير آخذٍ ، فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم .
وموقف آخر لعمير بن وهبٍ رضي الله عنه ، لما جاء - بعد أن اتفق مع صفوان بعد بدر - يدّعي أنه يطلب أسيراً له ، وهو يريد أن يغتال النبي عليه الصلاة والسلام ، فلما أخبره النبي بحاله - وعمر يستأذن يقول: دعني أضرب عنقه - أسلم ، فقال: خذوا أخاكم فعلموه دينه .
ثمامه بن أثال ، الذي جاء وتمكّن النبي صلى الله عليه وسلم منه - هو سيد بني حنيفة - فربطه النبي صلى الله عليه وسلم في ساريةٍ في المسجد ، ثم يأتيه يقول: ما لك يا ثمامة ؟! يقول: إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تطلب الفداء يأتك المال ، وليس عنده شيء من ذلك ، فيطلقه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة أيام ، أطلقه وجعل له حرية ، وكانوا يكرمونه في أسره .. فماذا صنع ؟ خرج فاغتسل ورجع ، وقال:"أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله"، ثم منع قريشاً أن تأتيهم حبةٌ من حنطةٍ ؛ حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن بلاده هي التي كانت تزودهم بذلك .
وانظر أيضاً إلى مسائل أخرى في سمو دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، في إيثاره للحق ، وفي تأليفه للقلوب على دعوته عليه الصلاة والسلام ، وذلك سموٌ عظيم في وجوهٍ كثيرةٍ ، يضيق المقام عن حصرها ، وهي حريةٌ بأن يكون لها أحاديث أخرى ؛ لأن مجالها ليس مجال نصٍ أو نصوصٍ كما أسلفنا في الوجوه السابقة ، لكنه مجال سردٍ لمواقف كثيرة .. حسبكم كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ! كيف ردّ أهل الطائف عندما ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ردوا عليه بأقبح ردٍ ، وأغروا به سفهائهم وغلمانهم يرمونه بالأحجار ؛ حتى دميت أقدامه الشريفة عليه الصلاة والسلام !