فهرس الكتاب

الصفحة 5723 من 9994

وهذا الرجل يصيح ويستغيث .. ويعلن التوبة والإنابة .. والخليفة لا يلتفت إليه ..

ثم أمر الخليفة به فضرب بالسكاكين ضرباً شديداً حتى خمد ..

ثم أمر به فأُلقيَ في نهر دجلة فكان ذلك آخر العهد ..

ثم قال لي الخليفة:

كلما رأيتَ منكراً .. صغيراً كان أو كبيراً ولو على هذا - وأشار إلى صاحب الشرطة - فأعلِمْني ..

فإن اتفق اجتماعُك بي وإلا فعلامة ما بيني وبينك الأذان .. فأذّن في أي وقت كان .. أو في مثل وقتك هذا .. يأتك جندي فتأمرهم بما تشاء ..

فقلت: جزاك الله خيراً .. ثم خرجت ..

فلهذا: لا آمر أحداً من هؤلاء بشيء إلا امتثلوه .. ولا أنهاهم عن شيء إلا تركوه خوفاً من الخليفة ..

وما احتجت أن أؤذن في مثل تلك الساعة إلى الآن .. والحمد لله .

فأين أولئك .. الذين يرون المنكرات .. ولا تنشط نفوسهم لإنكارها .. بل ربما أنكروا مرة أو مرتين فلما لم يقبل منهم ..

يئسوا من الإصلاح .. وألقوا السلاح ..

أيها الأحبة الفضلاء ..

إن الصراع بين الحق والباطل .. قائم إلى يوم القيامة ..

ولئن انتصر الباطل ساعة .. فالحق منصور إلى قيام الساعة ..

فأين الذين يعيشون للإسلام .. يسكبون من أجله دماءهم .. ويسحقون جمامهم .. لأجل عزة دينهم ..

أين الذين يخافون أن تظهر المنكرات .. وتتفشى الشهوات .. فيغضب رب الأرض والسماوات ..

فإنه سبحانه .. إذا غضب لعن .. ثم عذب وفتن .. وما يعلم جنود ربك إلا هو ..

فعود نفسك وعوديها .. على عدم السكوت عن المنكرات ..

المسألة تحتاج إلى جرأة في البداية .. ولكن لها فرحة في النهاية ..

ولئن كان الفجار يتجرؤون على نشر منكراتهم .. والدعوة إليها .. والحث عليها ..

من خلال كتابة في جريدة .. أو برنامج في قناة داعرة بليدة .. أو في كتاب مقروء .. أو فكر موبوء ..

تروح بنا مصائبنا وتغدو ** فما يرعى لنا في الناس عهد

ويخطب باقلٌ في كل ناد ** فيا سحبان قولك لا يعد

تعيرهم الصحافة مقلتيها ** فهم في عرفها الركن الأشد

لهم عبر الإذاعة ألفُ صوت ** وفي التلفاز أذرعة تمد

لهم شهوات إفساد ومكر ** وتحت غطائها قبضوا ومدوا

فلا تعجب إذا اضطربت خطانا ** وساومنا على الأمجاد وغد

عروس جلِّلت بثياب حزن ** وطاف بها على الشارين عبد

نعم ..

لئن كان أصحاب المفسدون .. وعبادُ الشهوات .. قد طغوا وتجرؤوا ..

ولئن كان المغنون والمغنيات .. يجرؤون على إقامة الحفلات .. وتهييج الشهوات ..

بل .. ولئن كان أصحاب المخدِّرات .. يفلحون في جر الشباب والفتيات ..

فإن أهل الحق رجالاً ونساءً .. أولى وأحرى .. بالعمل لنشر الفضيلة .. وحرب الرذيلة ..

وحماية المجتمع من الفساد .. وتعبيد الناس لرب العباد ..

من خلال مناصحة لأصحاب المنكرات .. بكتابة الرسائل إليهم .. وإظهار الشفقة عليهم ..

وإهداء الهدايا لهم .. مع إحسان الظن بهم .. والدعاء لهم .. والتلطف معهم ..

( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) ..

وقد كان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى كل الدنيا .. يدعوهم إلأى فعل الطاعات .. وترك المنكرات ..

وكان يتلطف في عبارته .. ويلين في إشارته ..

فكتب إلى هرقل النصراني ..

من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم .. أسلم تسلم .. يؤتك الله أجرك مرتين ..

وكتب إلى ملك فارس .. وملك اليمن ..

وهكذا كان الصالحون من بعده .. بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن صاحباً له .. أغواه الشيطان فشرب خمراً ..

فدعا عمر بصحيفة ثم كتب فيها ..

بسم الله الرحمن الرحيم .. من عمر بن الخطاب إلى فلان .. السلام عليك .. أما بعد ..

( حم* تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) .. والسلام .. ثم طوى الصحيفة وبعث بها إليه ..

فلما قرأها الرجل بكى .. وتاب مما فعل ..

وبلغ عبد الله ابن المبارك أن بعض أصحابه قد ترك تعليم العلم وانصرف للدنيا ..

فقال ابن المبارك: يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا ..

ثم كتب إليه .. نصيحة ضمنها أبياتا يقول فيها:

يا جاعل العلم له بازيا ** يصطاد أموال المساكين

احتلت للدنيا ولذاتها ** بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنونا بها بعدما ** كنت دواء للمجانين

أين رواياتك فيما مضى ** عن ابن عون وابن سيرين

لا تبع الدين بالدنيا كما ** يفعل ضلال الرهابين

ولا تسئ الظن بأحد .. فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .. وبعض الناس ليس بينه وبين ترك منكره .. إلا أن يسمع موعظة صادقة ..

كان زاذان الكندي مغنياً .. صاحبَ لهو وطرب .. فجلس مرة في طريق يغني .. ويضرب بالعود ..

وله أصحاب يطربون له ويصفقون ..

فمر بهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. فأنكر عليهم فتفرقوا ..

فأمسك بيد زاذان وهزه وقال:

ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت