فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لما فتح عبد الله بن عليّ العباسي دمشق قتل في ساعة واحدة ستة وثلاثين ألفًا من المسلمين، وأدخل بغاله وخيوله في المسجد الأموي الكبير !! ثم جلس للناس، وقال للوزراء: هل يعارضني أحد؟ قالوا: لا. قال: هل ترون أحدًا سوف يعترض عليَّ؟ قالوا: لا، إن كان فالأوزاعي - والأوزاعي محدث فحل، إمام الدنيا، أمير المؤمنين في الحديث، كان زاهدًا عابدًا من رواة البخاري ومسلم - قال: تعالوا به. فذهب الجنود للأوزاعي، فما تحرك من مكانه، قالوا: يريدك عبد الله بن علي. قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. انتظروني قليلاً، فذهب، واغتسل، ولبس أكفانه، وتجهز للموت، ثم قال في نفسه: قد آن لك يا أوزاعي أن تقول كلمة الحق، لا تخشى في الله لومة لائم، قال الأوزاعي وهو يصف القصة: فدخلت فإذا أساطين من الجنود، قد جُعلوا على صفّين، وقد سَلّوا سيوفهم، فدخلت من تحت السيوف، حتى إذا بلغت إلى عبد الله بن علي العباس، وقد جلس على سريره، وبيده خيزران، وقد انعقد على جبينه عقدة من الغضب. قال: فلما رأيته، كان أمامي كأنه ذبابة. قال: فما تذكرت أحدًا؛ لا أهلاً، ولا مالاً، ولا ولدًا، إنما تذكرت عرش الرحمن، إذا برز للناس يوم الحساب!
قال: فرفع بصره وقد ظهر عليه الغضب، ثم قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية التي أرقناها؟ قال الأوزاعي: حدثنا فلان عن فلان.. عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة ) ) [4] ، فإن كان مَن قتلتهم مِن هؤلاء، فقد أصبت، وإن لم يكونوا منهم، فدماؤهم في عنقك.
قال الأوزاعي: فنكث بالخيزران، ورفعت عمامتي أنتظر السيف !! ورأيت الوزراء يستجمعون ثيابهم ويرفعونها حتى لا يصيبها الدم. قال: وما رأيك في الأموال؟ قال الأوزاعي: إن كانت حلالاً فحساب وإن كانت حراماً فعقاب. قال: خذ هذه البدرة - كيس ملوء ذهبًا - قال الأوزاعي: لا أريد المال. قال: فغمزني أحد الوزراء، يعني خذها. فأخذ الأوزاعي الكيس، ووزعه على الجنود، حتى لم يبق فيه شيء، ثم رمى به وخرج، فلما خرج قال:"حسبنا الله ونعم الوكيل"قلناها يوم دخلنا، وقلناها يوم خرجنا!! فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان الله والله ذو فضلٍ عظيم [آل عمران:174] .
بِعنا النفوس فلا خيار ببيعنا أعظِمْ بقومٍ بايعوا الغَفَّارا
فأعاضنا ثمنًا ألذَّ من المنى جنات عدنٍ تتحفُ الأبرارا
فلمثل هذا قم خطيبًا منشدًا يروي القريضَ وينظمُ الأشعارا
أيها الناس:
احفظوا الله - عز وجل بالرجوع إليه، والتوبة من الذنوب والمخالفات.
احفظوا الله - عز وجل - بالمحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن، في أوقاتها، بخشوعها، وخضوعها، بأركانها، وواجباتها، وسننها.
احفظوا الله - عز وجل - بحفظ قلوبكم من النفاق والرياء، والحقد والحسد، فقد قال نبيكم صلى الله عليه وسلم: (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحَتْ صَلَحَ سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب ) ) [5] .
وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى عليَّ صلاة، صلَّى الله عليه بها عشرًا ) ) [6] ، اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يارب العالمين.
[1] أخرجه الترمذي ( 4 / 576 ) رقم ( 2516 ) وقال: حسن صحيح . وأحمد ( 1 / 293، 303، 307 ) . وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم ( 7957 ) .
[2] تسجَّى بالثوب: أي غطى به جسده ووجهه .
[3] انظر: السيرة النبوية لابن هشام ( 2 / 137 - 140 ) .
[4] أخرجه البخاري ( 8 / 38 ) . ومسلم ( 3/ 1302، 1303 ) رقم ( 1676 ) .
[5] أخرجه البخاري ( 1/ 19 ) . ومسلم ( 3 / 1219، 1220 ) رقم ( 1599 ) .
[6] أخرجه مسلم ( 1 / 288 ) رقم ( 384 ) .