فهرس الكتاب

الصفحة 5781 من 9994

والبغي مهما طال عدوانه *** فالله من عدوانه أكبر

وتتعاقب النماذج الثابتة المبنية في هذه الأمة، والخير فيها، ولو خلت لانقلبت -كما قيل-. ويتحالف [الصالح إسماعيل] مع الصليبيين، والثمن تسليم ديار المسلمين، فشهد ذلك الأمر [العز بن عبد السلام] ، وشقَّ عليها الأمر، شقَّ على سلطان العلماء، فأنكر ذلك أيَّما إنكار، وترك الدعاء لإسماعيل، وعندئذٍ كتب جواسيس السلطان الذين بثَّهم لاستراق السمع بذلك، ورفعوا التقارير الظالمة، وحرَّفوا القول وزخرفوه، فجاء كتاب السلطان باعتقال العز بن عبد السلام -عليه رحمة الله-، فسجن وضُيِّق عليه، ثم أطلق ومُنع من الخطابة والتدريس، ومُنع من الاجتماع إليه، وخرج مهاجرًا إلى أرض ، فأرسل له السلطان رسولاً وطلب منه التلطف مع العز، وعرض عليه بعض الأمور علَّه أن يلين أو يَهِن أو يضعف. قال: إن وافق فذلك، وإن خالف فاعتقله في خيْمة بجانب خيْمتي. ذهب رسول السلطان إلى سلطان العلماء، وقال له: يا إمام بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان، وتقبل يده لا غير، فأبى سلطان العلماء إلا الثبوت على محض الحق، وقال قولاً خرَّ من هوله ذلك الرسول صعقًا. قال: يا مسكين والله -الذي لا إله إلا هو- ما أرضى أن يقبل السلطان يدي فضلا عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ، الحمد الله الذي عافاني مما ابتلاكم به. فأرغى رسول السلطان وأَزْبَدَ، وهدده، وأعلن اعتقال الشيخ على الملأ، فقال الشيخ: افعلوا ما بدا لكم، فاعتقلوه في خيمة بجانب خيمة السلطان، فأخذ الشيخ يرتل آيات الله البينات، يتصل بالله عن طريق التعبد بكلام الله، وكان بعض ملوك الصليبين عند ذلك السلطان، فقال هذا السلطان: أتسمعون هذا الذي يقرأ القرآن؟ قالوا: نعم. قال: هذا أكبر رجل دين في المسلمين، وقد حبسته وعزلته عن الخطابة والتدريس من أجلكم. فلما سمع ملوك الفرنجة هذه الميوعة الرخيصة من ذلك السلطان أرادوا أن يهينوه ويُذلُّوه؛ لأنه هان واستمرأ الهوان. قالوا: والله لو كان هذا قسيسنا لغسَّلنا رجليْه وشربنا مرقتها، ثم انتصر المسلمون بعد ذلك على الصليبين، ونجَّى الله الشيخ من كيد الشيطان وحزبه، فدخل مصر آمنًا لم يقدم تنازلاً، وازداد في الحق صلابة، فرحمه الله. إنه بناء النفوس، إنه الإباء والاستعلاء، إنها ليست كبرياء إنما هي عزة العقيدة وعلو الراية -ولاشك-.

ولقد تعرض البناة لأنفسهم في كل العصور لمواقف فنجحوا فيها بفضل الله. أحدهم يصدع بكلمة الحق فيشْرَق بها المنافقون والظالمون، ويذيقونه في سبيلها ألوانًا شتى من التعذيب في السجن لا تضاهيها إلاَّ ألوان التعذيب في محاكم التفتيش في القرون الوسطى، كانوا يسلطون عليه الكلاب بعد تجويعها، فتطارده الساعات، ثم تنقض على لحمة تنهشه نهشًا إذا توقف عن الجري وهو صابر ثابت، معتصم بالله، لن يرده ذلك عن هدفه، ولم يصده عن بغيته وغايته، فأغاظهم ذلك فماذا يفعلون؟ حكموا عليه بالقتل، وتلك -والله- فتنة أيما فتنة، ثم جاءه الإغراء أن استرحِمْ ذلك الظالم ليخفف عنك الحكم، فقال: -في إباء واستعلاء-: لئن كنت حوكمت بحقٍ فأنا أرتضي الحق، وإن كنت حوكمت في باطل؛ فأنا أعلى من أن أسترحم الباطل، إن يدي التي تشهد لله بالوحدانية كل يوم مرات لترفض أن تقر حكم ظالم أيًّا كان ذلك الظالم ثم يقاد إلى حتفِه، ولسان حاله:

الله أسعدني بظل عقيدتي *** أفيستطيع الخلق أن يشقوني

ويأتي أحد علماء السوء الذين باعوا دينهم بعرَضٍ من الدنيا، وما بنَوْا أنفسهم ليلقنه كلمة التوحيد التي يُقاد إلى الموت من أجلها، فيقول له: قل: لا إله إلا الله فيبتسم تبسم المغضب، ويقول: يا مسكين أنا أقاد إلى الموت من أجل لا إله إلا الله، وترجع أنت لتأكل فتات الموائد بلا إله إلا الله، لا نامت أعين الجبناء. إنه البناء الحقيقي للأنفس. إنها الثقة بأنهم على الحق. إنها الثقة بغلبة دين الهدى على دين الهوى وبقوة الله على كل القوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت