فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لا تظنوا -يا أيها الأحبة- أن البناء في الرجال -فقط- إنه كذلك في النساء والأطفال؛ هاهو أحد المحدثين ، واسمه [محمد بن عاصم] -عليه رحمة الله - له بُنيات صغار، لا ولد ذكر يقوم عليهن، انتقل إلى بغداد يوم سمع محنة [الإمام أحمد] ليحدث الناس، ويسد ثغرة قد فُتِحَت في ذلك البلد، ترك بنياته بخراسان، وسمع في بغداد بتلك المحنة، فانطلق إلى الإمام أحمد، وقد علم أن سُجن وعُذِّب وأوذي في الله -عز وجل-، فقال لأصحابه - وهو يحدث يومًا من الأيام في حلقته-: ألا نقوم فنقول كلمة الحق؟ وقام ليقولها، وتذكر بنياته اللاتي تركهن في خراسان، وعلم أن رجلاً يقوم ليقول كلمة في ذلك المقام ما عاقبته إلا الموت، وهو في هذا الصراع مع نفسه يأتيه كتاب من بنيَّاته يقلن له: يا أبانا إنا قد سمعنا أن الرجل قد دعا الناس إلى القول بخلق القرآن، وإنا نأمرك بأن لا تجيب؛ فوالذي لا إله إلا هو -يا أبانا- لأن يأتينا نعْيُك أحبُّ إلينا من أن نسمع أنك قلت بخلق القرآن. الله أكبر، إنه البناء في أوساط النساء، في أوساط البنات، في أوساط الرجال. أُسَرٌ لم تعرف إلا ربها فهان في سبيله كل شيء، واستعذب في سبيله كل صعب .
كل بذل إذا العقيدة ريعَتْ *** دون بذل النفوس نذر زهيد
مسلم يا صعاب لن تقهريني *** في فؤادي زمازم ورعود
لا أبالي ولو أُقيمت بدربي *** وطريقي حواجز وسدود
من دمائي في مقفرات البراري *** يطلع الزهر والحياة والورود
هذه سمة المؤمنين، الاطمئنان إلى الله يملأ نفوسهم فيبنيها، يحرك جوارحهم فيقوِّيها. لا يستمدون تصوراتهم وقِيَمَهم وموازينهم من الناس، وإنما يستمدونها من رب الناس؛ فأنى يجدوا في أنفسهم وهنًا عند محنة أو عند منحة أو عند شهوة، أو يجدوا في قلوبهم حزنًا على فائت من الدنيا؟ إنهم على الحق؛ فماذا بعد الحق إلاّ الضلال، ليكن للباطل سلطانه، ليكن له هيله وهيلمانه، ليكن معه جمعه وجنوده، إن هذا لا يغير من الخطب شيئًا.
هذا هو الصنف الأول من الناس ممن أسَّسَ بنيانه على تقوى من الله ورضوان؛ هامات لا تنحني، وقامات لا تنثني، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الصنف .
أما الصنف الثاني: فأسَّس بنيانه على شفا جُرُف هارٍ، يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأنَّ به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، يذوب أمام المحنة فلا يتماسك، يلعب بعواطفه الخبر البسيط فلا يثبت، يطير فؤاده للنبأ الخفيف فلا يسكن، فؤاده هواه، يعيش موزعًا بين همِّ حياة حاضر ومفاجآت تنتظر، لا تطمئن لقوله، ولا تثق في تصرفاته، بصره زائغ، عقله فارغ، أفكاره تائهة، مغلوب على أمره، لا ينفع في ريادة ولا يُعتمَد عليه في ساقة، جبان مفتون فرَّار غرَّار .
يوم يمانٍ إذا لاقاه ذو يمنٍ *** وإن تلقَّ معديًّا فعدنان
مثل هذا كالشجرة لا جذور لها ولا ثمرة، لا تثبت أمام الريح، ولا تقوى على مقاومة الآفات . أو كالبناء بلا أساس، سرعان ما يخر سقفه على من فيه. فهو قلق بائس، متردد، تعصف به الفتن، تدمره المِحَن، إن عزلته لم يرعوِ، إن خاطبته لم يفهم.
ومن البلية عدل من لا يرعوي *** عن غيِّه وخطاب من لا يفهم
إن المؤمن ليقف شامخًا وهو يرى مثل هذا الصنف البائس، وقد غرق في شهواته الهابطة وفي نزواته الخليعة السافلة يَعُبُّ منها، لكنها حكمة الله البالغة التي أرادت أن يقف الإيمان مُجرَّدًا من الزينة والطلاء، عاطلاً عن عوامل الإغراء، لا هتاف لذة، ولا دغدغة شهوة، وإنما هو الجهد ليقبل عليه من يقبل وهو على يقين أنه يريد الله والدار الآخرة، ولينصرف عنه من يبتغي المطامع والمنافع الدنيوية، ومن يشتهي الزينة ويطلب المتاع؛ ليحيا من حيَّ عن بينه ويهلك من هلك عن بينة
هاهو أحد الساقطين الذين ما بنوا أنفسهم بنوها على شفا جرف هار فانهار بهم إنه [جبلة ملك غسان] ، أسلم وجاء في موكب عظيم بحاشيته وجنده، فرح المسلمون بإسلامه كثيرًا، فخرجوا للنظر فيه وفي موكبه، فإذا الخيول معقودة أذنابها، وسلاسل الذهب في أعناقها، وعلى رأسه التاج المُرَصَّع بالجوهر، وذهب إلى وجعل يطوف بالبيت، وبينما هو يطوف إذ وطئ رجل فزاري إزاره فلطم جبلةُ الفزاري فهشم أنفه، فشكاه الفزاريُ إلى عمر-رضي الله عنه وأرضاه- فبعث عمر إلى جبلة فأتاه، فقال له عمر: ما هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه تعمد وطأ إزاري فلطمته، ولولا حرمتك لضربت ما بين عينيه بالسيف، فقال عمر: قد أقررت على نفسك بما فعلت؛ فإما أن تُرضي الرجل، وإلا أن أقتص له منك بهشم أنفك كما فعلت به. قال: وكيف ذلك وهو سوقة، وأنا ملك؟ قال عمر -رضي الله عنه-: الإسلام سوَّى بينكما فلم يرَ جبلة مخرجًا إلا بإعطائه مهلة، طلب مهلة إلى الغد ليلوذ بالفرار ليلاً؛ ويرتدَّ عن دينه، ولو علم الله فيه خيرًا لأسمعه، سقط عند أول امتحان؛ لأن البناء لم يؤسَّس على تقوى، وإنما أُسِّس على شفا جُرُفٍ هارٍ.