فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أمة الإسلام، عيدُنا جديدٌ في يومه، أصيلٌ في نفسه، فله ارتباطٌ قويّ بركنين من أركان إسلامنا.
أمة الإسلام، في عيدنا تجديدُ اللقاء، صلةُ الرحم، تقوية أواصر المودَّة بين الإخوة، زيارة المريض، تفريج همّ المهمومين وكرب المكروبين والتيسير على المعسرين، لتكون فرحة العيد فرحةً شاملة للجميع.
أمة الإسلام، أفراحنا ليست تحلّلاً من قيودِ الشرع، ولا طيًّا لبساط العبادة، ولا هدمًا لبناء الأعمال، ولكنها أعيادٌ شرعية منضبطة بضوابط الشرع، إذاً فلنحذر أن نبارز الله بالعصيان في هذا اليوم.
أمة الإسلام، أفراحنا ليست لإطلاق أيدينا وألسنتنا في المنكرات، ولاقتراف ما حرم الله علينا من اختلاطٍ محرم أو غناء محرَّم أو فحش في القول والعمل. إنَّ المسلم زكيّ القلب، مهذَّب النفس والسلوك، لا تزيده الأحداث إلا ثباتاً ورسوخاً في إيمانه.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أمة الإسلام، يقول الله جل وعلا: اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75] ، ويقول وهو أقسط القائلين: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ [القصص:68] .
اختار محمداً ، فجعله خاتمَ الأنبياء والمرسلين، وجعل شريعتَه خاتمةَ الشرائع، وألزم أهلَ الأرض كلَّهم طاعته وأتباعه: قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] .
اختار أمتَه فجعلهم خيرَ الأمم وأفضلَها، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] .
بعثه الله على حين فترة من الرسل واندراسٍ من العلم، وقد بُدِّلت الشرائع، وحُرّف الكلم، وهام الناس في شعب الضلال وأوديته، بعثه الله وقد غلب الشركُ على أهل الأرض، فعبدوا الملائكة والأنبياء، والأشجار والأحجار والحيوان، زاعمين أنها تقربهم إلى الله. بعثه الله في الحرم وهم يأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويسيؤون الجوار، ويقطعون الأرحام، ويتسلَّط القوي على الضعيف. بعثه الله بالهدى ودين الحق، فكان غريباً بين قومه، لكنه امتثل أمرَ ربه، فدعا قومه إلى الله، وحذَّرهم من عبادة غيره، ودعاهم إلى إخلاص الدين لله، وأن يتركوا ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم من عبادة غير الله، دعاهم إلى أداء الأمانة وصدق الحديث وصلة الرحم والإحسان إلى الجار والكفِّ عن المحارم والدماء، نهاهم عن الفواحش وعن قول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، حذَّرهم من كلِّ سوء، ودعاهم إلى كل خير.
وقد عانى الشدائدَ في دعوته، فقابلوه بالتكذيب، وقالوا: ساحر، وقالوا: مجنون، وقالوا: شاعر، وقال: مفترٍ، والله يعلم كذبَهم وأنهم يعلمون كذبَ ما يقولون، فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَاكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] . لكنَّه صبر على كلِّ الأمور، صبر وصابر وهاجر وجاهد، فعاش غريباً بينهم، فبدأ الإسلام غريباً، وبدأ النبي وأصحابُه غرباء، غربةَ رسالةٍ وعقيدة، لا غربة وطن ونسب وقبيلة، لكنه صابر وهاجر وجاهد في الله حق جهاده حتى أظهر الله دينه وأعلى كلمته.
فلمَّا دبّ الضعف في الأمة الإسلامية وتسلَّط عليها أعداؤها من شياطين الإنس والجن وحصلت الفرقةُ وضعفت الديانة عاد الإسلام غريباً.
أجل، عاد غريبا في توحيد العبادة، بين أقوام ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم بعيدون عن الإسلام، عبدوا غيرَ الله، وعظَّموا قبورَ الأموات، وطافوا بها، ونذروا وذبحوا لها، وهتفوا بأسمائها في الشدائد، وعاكسوا بذلك فطرة الله.
عاد الإسلام غريبا في عبادته، فاستُخِفّ بالصلاة، وضيِّعت الزكاة، واستُخفَّ بشعائر الإسلام، بين من ينتسبون إلى الإسلام وللأسف الشديد.
عاد الإسلام غريبا في معاملاته، فإذا ذكرتَ الربا وأن الله حرَّم التعامل بالربا وجعل التعامل به حربا لله ورسوله، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] ، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَوااْ [البقرة:275] ، استغربوا هذا الأمر، وقالوا: الربا من ضروريات العصر، فاستبدلوا البيعَ الحلال بالربا المحرّم، واستبدلوا الصدقَ والبيان والوضوح بالكذب والغشِّ والخيانة، فأُكِلت أموالُ الناس بالباطل.
عاد الإسلام غريباً في حمايته للأعراض، بين أقوامٍ استباحوا السفورَ وحاربوا الحجاب، ودعَوا إلى الرذيلة باسم الفضيلة معاكسةً لفطرة الله.
عاد الإسلام غريباً حينما جاءت أوامره تُلزم الأمة الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، الأمرَ بكل ما يحب الله، والنهي عن كل ما حرم الله، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان هذه الأمة، وسياجٌ منيع يحفظ الدماء والأموال والأعراض، فيَستنكر أولئك ذلك لأن الله غيّر فطرهم، فرأوا الباطل حقًّا والحقَّ باطلا، أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء [فاطر:8] .