فهرس الكتاب

الصفحة 5826 من 9994

] إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم[ ..

والسعداء قوم كثر في الدنيا اجتهادهم .. فعلت بين الناس رتبهم .. حتى أصبحوا لا يقاسون عند الله بأشكالهم وأحجامهم وإنما يرتفعون عند الله بأعمالهم ..

روى الإمام أحمد وغيرُه .. أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فمرا بشجرة فأمره النبي أن يصعدها ويحتزَّ له عوداً يتسوك به ..

فرقى ابن مسعود وكان خفيفاً نحيل الجسم .. فأخذ يعالج العود لقطعه .. فأتت الريح فحركت ثوبه وكشفت ساقيه .. فإذا هما ساقان دقيقتان صغيرتان ..

فضحك القوم من دقة ساقيه ..

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ممّ تضحكون ؟! .. من دقة ساقيه ؟! والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد ..

ما الذي أثقلهما في الميزان .. إنه طول القيام .. ومداومة الصيام ..

ما حملته ساقاه إلى حرام ..

أما غير ابن مسعود ممن زينوا ظواهرهم .. وأهملوا بواطنهم .. بيّضوا ثيابهم وسوّدوا قلوبهم .. فقد قال فيهم أبو القاسم صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة .. ثم قال صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم ]فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً[ ..

وإن الإنسان كلما أعرض عن طاعة مولاه .. وازداد انخراطاً في اللذات .. واتباعاً للشهوات .. نزع الله منه أسباب السعادة . وسلط عليه الضيق والهموم .. ولا يرُفع عنه ذلك إلا بالتوبة إلى الله والرجوع إليه ..

لماذا ؟ لأن انشراح الصدر .. ولذة العمر .. نعم عظيمة لا يعطيها الله إلا لمن يحب .. لذا امتن الله بها على رسوله وقال له ]ألم نشرح لك صدرك[ ..

وأول عقوبات المعاصي ضيق الصدر .. ولو علم العاصي والعاصية .. ما في العفاف والطاعة من اللذة والسرور .. والانشراح والحبور .. لعلموا أن الذي فاتهم من لذة الإيمان .. أضعافُ ما حصل لهم من لذة معصية عابرة .. فضلاً عما يكون يوم القيامة ..

قال ابن عباس رضي الله عنه: إن للحسنة نوراً في القلب .. وضياء في الوجه .. وسعة في الرزق .. ومحبة في قلوب الناس .. وإن للسيئة ظلمة في القلب .. وسواداً في الوجه .. ووهناً في البدن .. وبغضة في قلوب الخلق ..

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ..

وصدق الله إذ قال: ]فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون[ ..

فأهل الهدى والإيمان لهم انشراح الصدر واتساعه .. وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والبلاء .. والكربة والشقاء .. وانفراط الأمر .. وتعاسة العمر .. وقد قال الله: ]ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً[ ..

إن الملل الدائم الذي ينزله الله بمن عصاه .. أو طلب السعادة والأنس في غير رضاه .. ليضيق على أهل المعصية دنياهم .. وينغص عليهم عيشهم .. حتى يتحول ما يسعون وراءه من متع إلى عذاب يتعذبون به .

لماذا ..

لماذا يتحول سماعهم للغناء .. ومواقعتهم للفحشاء .. وشربهم للخمر .. ونظرهم إلى الحرام ..

لماذا يتحول هذا إلى ضيق بعد أن كان سعة .. وحزن بعد أن كان فرحة ..

لماذا ؟ لأن الله تعالى خلق الإنسان لوظيفة واحدة .. لا يمكن أن تستقيم حياته لو اشتغل بغيرها .. ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ ..

فإذا استعمل الإنسان جسده وروحه لغير الوظيفة التي خالق لأجلها تحولت حياته إلى جحيم ..

لو أن رجلاً يمشي في طريق فانقطع نعله فجأة فلما رأى ذلك قال: لا مشكلة أستعمل القلم بدل النعل ثم وضع نعله تحت رجله وأراد المشي لقلنا له: أنت مجنون لأن القلم صنع للكتابة ولم يصنع للمشي ..

وكذلك احتاج قلماً فلم يجد فقال: لا مشكلة أكتب بحذائي ثم تناول حذاءه وبدأ يجرّه على الورق !! لقلنا له: أنت مجنون لأن الحذاء إنما صنع لوظيفة واحدة هي المشي ولم يصنع للكتابة ..

وكذلك الإنسان خلق لوظيفة واحدة هي طاعة لله وعبادته .. فمن استعمل حياته لغير هذه الوظيفة فلا بدَّ أن يضل ويشقى ..

ولو نظرت في حال من استعملوا حياتهم لغير ما خلقوا له لوجدت في حياتهم من الفساد والضياع ما لا يوجد عند غيرهم ..

لماذا يكثر الانتحار في بلاد الإباحية والفجور ..

لماذا ينتحر في أمريكا سنويا أكثر من خمسة وعشرين ألف شخص ..

وقل مثل ذلك في بريطانيا .. وقل مثله في فرنسا .. وفي السويد .. وإيطاليا ..وغيرها ..

لماذا .. ألم يجدوا خموراً يشربون ؟ كلا الخمور كثيرة ..

ألم يجدوا بلاداً يسافرون ؟ كلا البلاد واسعة ..

أو منعوا من الزنى ؟

أم حيل بينهم وبين الملاعب والملاهي ..

أو أقفلت في وجوههم الحانات والبارات ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت