فهرس الكتاب

الصفحة 5909 من 9994

أما في هذه الرواية وهي في البخاري: كراهية حضور عمر ، قالوا: لأن عمر كان رجلاً صلباً شديداً ، فخشوا من أن يكون فيه المعاتبة وشدة القول في الأخذ والرد ، وهم كانوا يريدون المصافاة ، حتى لما أراد أن يذهب قال: لا تذهب إليهم، قال: وما عساهم أن يفعلوا بي؟ فقال علي رضي الله عنه في سياق هذا الحديث كلاماً نفيساً ، وقال أبو بكر كلاماً كذلك ، وفي رواية البخاري: فتشهد علي قال: أشهد أن لا إله إلا الله واستفتح الكلام قال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا بالأمر ، وفي شرح ذلك: قالوا: إن علياً كان يرى أن بعض الأمور كان ينبغي أن يشهدها ويستشار فيها وأبو بكر رضي الله عنه كان يرى جزم الأمر والإسراع فيه لئلا ينفرط الحبل ، وعلي شغل برسول الله عليه الصلاة والسلام وبفاطمة من بعده ولم يكن إلا ذلك قال: وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيباً، استمعوا لرواية البخاري قال: حتى فاضت عينا أبي بكر بكاء رضي الله عنه فلما تكلم قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آلو فيه عن الخير ، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته ، فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ثم استغفر .. وتشهد علي فعظّم حق أبي بكر وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفسية على أبي بكر ولا إنكارا للذي فضّله الله به ، ثم قال:"ولكنا نرى لنا نصيبا فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت ، وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع المعروف".

فهل في هذا النص ما يقوله القائلون وما يرجف به المرجفون وما يقوله الذين أفسدوا على الناس مقام مكانة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يكون حالهم إن كان الناس يبرئون أنفسهم من مثل هذه الشحناء فكيف بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ بل كيف بالصفوة المباركة من المقربين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقفة ثانية في هذه الأوهام والأخطاء

فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم ) قال النووي رحمه الله: قال العلماء في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال وعلى كل وجه وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً.

والمقصود أنه وهو حيّ -عليه الصلاة والسلام - وهذا بخلاف غيره فلما كان ذلك يؤدي إلى إيذاء فاطمة وذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم حرم من هذا الوجه أو لم يكن ممكناً الجمع بينهما من هذا الوجه ، قال النووي: وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي بقوله: ( لست أحرم حلالا ولا أحل حراما) ولكنه نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين يعني في الحديث:

إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة ، فيتأذى حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهلك من آذاه فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة.

والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة هذا طبعاً بسبب الغيرة وهو مذكور أيضا قال: (إني أخشى أن تفتن في دينها) ، أي بسبب غيرتها لأنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ابن عمها رضي الله عنهم أجمعين .

ولذلك أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين هذا فترك علي خطبتها لئلا يؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام ، وثبت أن علياً لم يتزوج معها غيرها ، بل ولم يتسرى بغيرها من السراري أو الإماء حتى توفيت رضي الله عنها وأرضاها .

هذا موجز ما ذكره النووي ، وقد أفاض أيضا القرطبي في شرح مسلم ، والمازني كذلك والقاضي عياض في هذه المعاني بنفس هذا المعنى أو قريبا منه ، وكما قلت في شأن ما ورد من الأحاديث الصحيحة أو الحسنة في تفضيل عائشة رضي الله عنها وذكرها لمآثر فاطمة رضي الله عنها ، وقد مر بنا ذلك في أحاديث كثيرة مما ذكرناه من قبل ونكتفي بهذا ؛ لأن هذه المسائل عند أهل السنة والجماعة وأهل الإيمان والتقوى واضحة لا تلتبس إلا عند الزائغين والمنحرفين نسأل الله عز وجل أن يسلمنا من طرقهم ، وأن يجنبنا مسالكهم وأن يهديهم إلى سواء السبيل والصراط لمستقيم ؛ فإن الثلم والذم لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام معارضة لكتاب الله - عز وجل - ولما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو ذم لهم حتى ولو لم يكن ذلك في النصوص ، فلئن كان ذلك كذلك فأي قوم كان هؤلاء؟ وكيف عن لهم أن يكونوا من أصحاب النبي وحملة الدين ثم يكونون على هذا الذي يصورونه من فرقتهم وخلافهم وكيد بعضهم لبعض ونحو ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت