فهرس الكتاب

الصفحة 5921 من 9994

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير) [الحديد]

سيد المرسلين يوم الفتح الأعظم

كشف الله تعالى ما يكون بعد الفتح من شأن سيد المرسلين، وهو شأن إخوانه المرسلين قبله. فإنك لا تجد في تاريخ أحد منهم، قبل النصر ولا بعده، بعض ما تجده في زعماء الضلالة من طغيان وتكبر وتجبر وتطاول وظلم وإذلال للناس.. فهذه سورة النصر تُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح مكة وتوجه قلبه إلى جانب عظيم من جوانب الصلة بالله تبارك وتعالى [فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا] .

وفتح الله على رسوله الأمين وأصحابه الميامين أعتى قلاع الشرك في الجزيرة العربية فدخل مكة ظافرًا؛ بجيش عظيم منيع من أصحابه، لم يجتمع من أبناء الجزيرة العربية نظيره قط، وذلك في أواخر شهر رمضان المبارك في السنة الثامنة من الهجرة، دخلها خاشعًا لله متواضعًا، ذاكرًا عابدًا، يقرأ سورة الفتح على ناقته. روى البخاري في صحيحه عن معاوية بن قُرةَّ قال:"سمعت عبد الله بن مُغفَّل يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح، يُرجعُ. وقال [أي معاوية بن قُرة] : لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع".

"الترجيع": ترديد القارئ الحرف في الحلق. يفيدك هذا التعبير أن الرسول صلى الله عليه سلم في هذا النصر العظيم كان يمعن في تلاوة ألفاظ هذه السورة وفي التفكير بمعانيها اعترافًا بفضل الله عليه. أجل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة على مشهد من جمع عظيم، وقد كاد له الذين ناصبوا دعوته العداء حتى أخرجوه من بلده، لكنه لم يدخلها مزهوًا مختالاً. إنما دخلها خاضعًا متواضعًا لله خير الناصرين، وذلك في شهر رمضان المبارك في السنة الثامنة من الهجرة.

روى الإمام الحاكم وأبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال:"لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، استشرفه الناس، فوضع رأسه على رحله متخشعًا".

وفي رواية البيهقي عن أنس قال:"دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعًا".

وأفادت رواية الواقدي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توسط الناس على هذه الحال.."تواضعًا لله تعالى حين رأى ما رأى من فتح الله وكثرة المسلمين، ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".

لقد رتب الله على الفتح والنصر أمرًا جليلاً عظيمًا: [فسبح بحمد ربك واستغفره. ] فإن الصلة بالحق تباركت أسماؤه وتعالت صفاته لا يجوز أن تكون قاصرة على أيام الشدة، إذ يفتقر العبد إلى مولاه، فيناديه من أعماقه رباه! رباه! وهو في أمرِّ حالات الافتقار وأشدِّ حالات الظلام، ولكن الصلة الواجبة بين العبد وربه صلة دائمة لا تنقضي ولا تنقطع مدى الحياة، مهما أمد الله له في النعم، وأزجى له من العز والنصر والسؤدد.

كانت العرب تنتظر نتيجة الصراع بين المصطفى"صلى الله عليه وسلم"وبين قلعة الشرك والوثنية. دخل الرسول الكريم مكة ظافرًا متنصرًا.. ودانت له الرقاب.. لكنه دخلها متذللاً لله رب العالمين. فليس في النصر إغراء يحوله عن طريقته الفضلى..!! ولا ما يستدعي أن يقترف شيئًا من جرائم الجبارين، زعماء الغرور والطغيان، من سفك دماء العزل من السلاح، وهتك أعراض الحرائر المسالمات، وسلب الأموال وتخريب الديار وانتهاك حرمات الله، وإهانة الشرفاء والفضلاء، وإذلال الناس وكبت حرياتهم، وملء السجون بجموع النبغاء والكرماء والفضليات الشريفات!!.

إن للجبابرة الطغاة شاكلة شهيرة ملأت التاريخ الغابر والمعاصر نكبات ومآسي وفواجع.. ولقد أماطت الأحداث اللثام عن طغاة استلبوا زعامات في الماضي والحاضر فعاثوا في أقوامهم فسادا..!! وعن طغاة بغوا في الأرض، ظلمًا وعدوانًا، تجبرا وغرورا، فاقترفوا من فظائع الجرائم ما تذهل له العقول..!! ولا تغيب عن بالك مجازر اليهود وأذنابهم في فلسطين ولبنان، ولا مجازر الهندوس والوثنيين في مسلمي الهند، ومثل ذلك في أفريقيا. وغير ذلك كثير في عصرنا. طغيان وسفك دماء.. وانتهاك أعراض.. وسلب أموال.. وتخريب ديار.. ذاكم صنيع الجبارين، كما أخبر الله عنهم، قال تعالى: قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [سورة النمل] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت