ألسنا نعرف من مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - الكثير التي ترك فيها ما هو لنفسه ، وما هو حق ، له إرادة المصلحة العامة وإرادة الخير للأمة ، بل قد فعل ذلك أصحابه - رضوان الله - عليهم فترفعوا عن مثل هذا ، والأمر -كما قلت - يطول فيه الحديث ومن بعد .
رابعاً: المصارحة والمناصحة
فإنه لا بد في أوقات الأزمة والفتنة أن تكون مصارحة مبنية على الحقائق ، ومناصحة تترجم الحرص على المصلحة العامة ، وقد أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث من جوامع كلمه قدر النصيحة في دين الله عز وجل: الدين النصيحة ، قلنا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم .
وهو حديث عجيب جدير بتأمل ومعرفة دلالاته .. النصيحة لله - عز وجل - ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، فهل بقيت دائرة تخرج عنها هذه النصيحة ولا تشملها ؟ فأين التناصح بالإخلاص وقول الحق بالأسلوب والمنهج الحكيم ، الذي يحقق المنافع والمقاصد ، ولا يكون مثيراً لغير ذلك مما يعارضه أو يناقضه .
ونحن نعلم كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطبّق ذلك ويطبقه أصحابه ويعلنون الحق ، ويبرزون الصدق ، خاصةً في المواقف العصيبة مع كل الأدب والاحترام ومع كل الحكمة ووضع الأمور في نصابها أليست غزوة الأحزاب كانت شدة من أعظم الشدائد ، ومحنه من أقصى المحن في ذلك الأتون الذي مر بالنبي - عليه الصلاة والسلام - والصحابة مع شدة خوف وجوع وبرد ، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخفف فأراد مقترحاً أن يعطي لغطفان ثلث ثمار المدينة حتى يرجعوا عن الأحزاب ويتفكك هذا الجمع الغفير من الأعداء ، فسأل واستشار - عليه الصلاة والسلام - السعدين سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، فماذا قالا ؟ بكل الأدب وبكل الفقه: أوحي يا رسول الله أم أمر تراه لنا ؟ إن كان وحياً فهو موضع التسليم لا الاعتراض ، ولا رأي ، ولا نقاش ، فذلك الذي تخضع له الرقاب وتمتثل له الأمة المسلمة ، وأما إن كان رأياً تره لنا ، قال: بل رأي أراه لكم ، فصدقوه القول وصارحوه ، وقالوا: يا رسول الله كنا وهؤلاء في جاهلية وكفر والله ما يطمعوا منا بتمرة إلا شراءً أو قرا ، أفبعد أن أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزنا بك نعطيهم ثمارنا ! والله لا نعطهم إلا السيف . فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيهم ومشورتهم .
ينبغي أن نخلص النصح والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل ذلك في البيعة للإسلام ، كما ورد في الحديث الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام ، فزادني والنصح لكل مسلم .
لماذا إذا رأينا المخطئ لم يكن عندنا إلا سهام الاتهام والإغلاظ والجفاء دون أن نخلو به دون أن نكون فيما بيننا وبينه وإن قررنا خطأه وإن ثبت جرمه قلنا له عد إلى الله ، وتذكّر الله ، وارجع فإن أبواب توبة الله - عز وجل - مفتوحة ، وذلك ما يعين على تلاف كثيرٍ من الأخطاء وعدم التمادي فيها ، وذلك ما سيحكم أيضاً بإحكام وأمرٍ آخر أذكره وهذا أمره يطول .
خامساً: المرابطة والمواجهة
وهي أمرً مهم ؛ فإننا اليوم على مستوى الأمة الإسلامية جمعاء ، وعلى مستوى هذه البلاد والمملكة خصوصاً مستهدفون بالعداء ، لا يحتاج ذلك إلا برهان ، ولا يحتاج إلا تفصيل وبيان ، ونحن نعلم الاستهداف فكرياً ، ومنهجياً ، وتعليمياً ، واجتماعياً ، وسياسياً وكل ذلك ظاهر ، بين ، معلنٌ ، فكيف حينئذٍ لا نلتفت إلى أننا مرابطون على ثغور الإسلام لأن هذا البلد هو بلد الإسلام فيه نشأ ومنه انطلق ولا يزال في أصل بلاد الحرمين هذا الإسلام وإعلان تطبيق شريعته ، وإظهار معالم شعائره ، وشرائعه ، والانتداب لذكره ، ونشره ، والدعوة إليه ، ثم بعد ذلك ننشغل عن هذا الهجوم الشرس بما قد يكون أدنا منه وهذا من فقه الأولويات الذي ذكرته من قبل لا بد أن ننتبه إلى الخطر الأعظم ، فلا نغفل عنه ونعطيه من الالتفات إليه ، ومن المواجه له ومن المرابطة لعدم اختراقه لصفوفنا ما يستحق .
ولعلي هنا أنقل نقلً واحداً في ومضة سريعة لمسئول من المسئولين في تلك البلاد والدول المواجه والمعلنة لهذا العداء ، يقول:"لدينا إستراتيجية غاية في البساطة ، فنحن نريد في المنطقة نظم موالية لنا ، ثم إننا نريد ثرواتها بلا منازع ، فنحن نريد ضماناً نهائياً لأمن إسرائيل ؛ لأنها الصديق الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه"، فنحن نقول لا ينبغي أن ننسى في أي وقت وتحت أي ظرفٍ ما يحيط بديننا ، وأمتنا ، وبلادنا ، ومجتمعنا ، من هذا العداء الذي يبرم أمره كل ليلٍ وكل نهار وتتوالى أحداثه وتتوالى إعلاناته وتظهر ملامحه في كل ميدان ومجال ، وهي قضية مهمة لا بد من الانتباه لها وعدم نسيانها بحال من الأحوال .
سادساً: الوحدة والاجتماع