أراد أن يطمئن النفوس والقلوب وإن كان قد أخذ بالأسباب ، ولن يغب عنه ما ينبغي أخذه في مثل هذا الأمر ، لكنه كان يدرك - عليه الصلاة والسلام - كيف ينبغي أن تبث الأخبار وأن تنشر الوقائع ، كما نرى أحياناً في وسائل الإعلام في بعض ما يحصل من الجرائم والفواحش ويذكرون قصصها ، وتفاصيلها ، فيكون في بعض الأحيان أثر ذلك من الناحية السلبية أكثر من الإيجابية فتهون المعاصي في نفوس الناس ، وتجرؤهم عليها ، وقد تبين لهم سبلها ، وذلك ما يقولونه أو ما يقوله الإعلاميون والتربويون والنفسيون فيما تبثه الوسائل الإعلامية من الأفلام الإجرامية والعنفية وغير ذلك ، فينبغي أن نراعي ذلك وأن نلتفت له .
ولا بد من الدقة في استخدام المصطلحات ، وتحرير محل النزاع وعدم إطلاق الكلمات التي لها دلالات مختلفة دون تعيينها وتحديدها ، حتى لا يحصل من ذلك ما يكون فيه أثر غير محمود .
ثامناً: الشرع والردع
هو الأساس الذي ينبغي أيضاً تحكيمه وإحكامه ؛ فإن إقامة شرع الله - عز وجل - أمراً لا بد منه ، فكل من وقع في إثمٍ أو اقترف ذنباً ، أو ارتكب كبيرةً ، أو اجترأ جريرةً ؛ فإنه إن استوفي حكمه بقضاءٍ وثبت عليه ما عليه ، فإن حكم الشرع يأخذ طريقه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغنى من حد فقد وجب ) .
فإذا بلغ الأمر إلى الوالي والحاكم الشرعي ؛ فإنه لا مجال حينئذٍ إلا تمحيص البينات ، وتحقيق القضايا ، ثم إقامة الأحكام .
والردع في منهج الشرع أوسع من إقامة الأحكام ، فالحدود الشرعية في السرقة والقتل والزنى وغيرها هي من العلاجات التي تحسم مادة الفتن والجرائم ، لكنها ليست وحدها ؛ فإن الإيمان قبلها ، وإن تنمية الرقابة الله - عز وجل - والخوف منه ، والحياء منه ، والنظر إلى العواقب في الآخرة ، وغير ذلك من الأمور التربوية والاجتماعية هي أيضاً من أساليب الردع .
و أختم بقضية مهمة وهي:
تاسعاً: التربية والتهيئة
فإن التربية في المنزل وفي المدرسة وفي الشارع هي التي بإذن الله - عز وجل - كانت على المنهج الصحيح وقتنا كثيراً من الشرور وكانت على مبدأ الوقاية خير من العلاج ..
تركنا أبنائنا لا نعلمهم ، لا نربيهم ، لا نلفت نظرهم من لأخطاء ، لا نحذرهم من المشكلات ، ثم ذهبوا إلى دور العلم فلم يجدوا من التربية من المعلمين توجيهاً وتنبيهاً وتذكيراً ، ولفت نظر وعلاج أخطاء ما ينبغي ، ثم خرجوا إلى المجتمع فلم يجدوا من وسائل الإعلام أو من الدعاة والعلماء القدر الكافي الذي يوجه ويرشد ويبين الأخطاء ويوضح المعالم .. فحينئذٍ حصل لنا بعض ذلك الذي وقع من التفريط والغلو والتطرف ، وقد أسلفنا القول فيه من قبل .
ثم أيها - الأخوة الأحبة - لعلنا هنا نختم في هذا المقام بإعادة التذكير ، وهو أنه ينبغي لنا أن نتحدث بصوت هادئ ؛ فإن الجعجعة والصراخ لا تنفع في هذه الأحوال ، وأننا ينبغي لنا أن نتحدث بمنهج سليمٍ سديد ؛ فإن المهاترات لا تنفع ، ونحن ينبغي لنا أن لا نتعجل ، وأن لا نجعل هناك شيءٌ من الافتراق والتباعد ، ولا ينبغي أن نتكلم عن هذا أو ذاك بأنه مخالف للشرع ، وبأنه يريد مصادرة الدين ، وبأنه يريد كذا وكذا ..
ولا ينبغي لمن يعتلي المنبر أو يتكلم في الوعظ والإرشاد كما لا ينبغي للآخرين أن يقولوا عن كل ملتزم أو متدين بأنه مخطئ في كذا ، وأنه يقصد كذا حتى كأن الناس شقوا عن القلوب والنوايا ينبغي لنا أن ندرك عظمة الخطر ، وأهمية الاتحاد ، ومرجعية الشرع ، وينبغي لنا أن ندرك أن مزية هذه البلاد - أولاً وآخراً - هي قيامها على الإسلام ، وتحالف الدولة مع الدعوة ، وأن أمر الاستهداف إنما هو أعظمه وأكثره في ديننا ، فلا ينبغي أن يكون منا جميعاً لا من هذا ولا من ذاك ، وأن لا نصنف الناس فريقين وأن نقول أهل المنابر وأهل المحابل ، ونجعل هناك أموراً تثار فيها البلابل .
ينبغي لكل مسلم - وكلنا مسلمون - أن يكون مخلصاً لله ، ومراعياً لبعض هذا الذي ذكرته ، فهو ينطبق على جميع الناس لا يستثنى منه أحد ، ولا يظنن أحد كذلك أن العالم أو الداعي مبرأ من النقص أو منزّه عن الخطأ ، بل هو إنما يستمد قوة نهجه أو صواب رأيه من أصل كتاب الله وسنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهما اللذان لا يأتيهما الباطل من بين يديهما ، ومن خلفهما وهما عصمة كل معتصم ونجاه كل راغب في النجاة بإذن الله نسأل الله - عز وجل - أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً …