فهرس الكتاب

الصفحة 6044 من 9994

وعلى هذا تفترق أحكام الشهر: هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم أو ليس شهراً في حقهم كلهم؟ يبيِّن ذلك في قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] . فإنّما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه" ( [45] ) ."

وهذا الرأي الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو الأقرب، والله أعلم.

6ـ هل الرؤية في بلد ملزمة لبلد آخر:

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أنّ الرؤية في بلد يشق بها الصيام في البلد الآخر من غير اعتبار باختلاف المطالع.

وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة على الصحيح عندهم، وبعض الشافعية.

قال ابن نجيم الحنفي:"ولا عبرة باختلاف المطالع - فإذا رآه أهل بلدة، ولم يره أهل بلدة أخرى؛ وجب عليهم أن يصوموا برؤية أولئك، إذا ثبت عندهم بطريق موجب، ويلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب" ( [46] ) .

قال ابن شاس:"وإذا رؤي الهلال في بلد؛ لزم غيرهم الصوم، والقضاء إن فات من غير تفصيل" ( [47] ) .

وقال المرداوي:"لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، وأما من لم يره فإن كانت المطالع متفقة؛ لزمهم الصوم أيضاً، وإن اختلفت المطالع؛ فالصحيح من المذهب لزوم الصوم أيضاً، قدَّمه في الفروع والفائق والرعاية، وهو من المفردات" ( [48] ) .

القول الثاني: أنه لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر. وهو الصحيح عند الشافعية.

قال النووي:"إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره، فإن تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد، ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف، وإن تباعدا فوجهان مشهوران في الطريقتين: أصحهما: لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر، وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون، وصححه العبدري والرافعي والأكثرون، والثاني: يجب، وبه قال الصيمري وصححه القاضي أبو الطيب والدارمي وأبو علي السنجي وغيرهم"، ثم قال:"والصحيح الأول" ( [49] ) .

قال:"وفيما يعتبر به البعد والقرب ثلاثة أوجه: أصحها، وبه قطع جمهور العراقيين والصيدلاني وغيرهم أنّ التباعد يختلف باختلاف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا يختلف كبغداد والكوفة والري وقزوين، لأنّ مطلع هؤلاء مطلع هؤلاء، فإذا رآه هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو لعارض بخلاف مختلفي المطالع."

والثاني: الاعتبار باتحاد الأقاليم واختلافه، فإن اتحد فمتقاربان وإلا فمتباعدان، وبهذا قال الصيمري وآخرون، والثالث: أن التباعد مسافة القصر والتقارب دونها، وبهذا قال الغوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون من الخرسانيين" ( [50] ) ."

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فالصواب في هذا - والله أعلم - ما دل عليه قوله: (( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) ) ( [51] ) ، فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم، وكذلك إذا شهد الرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب فعليهم إمساك ما بقي سواءً كان من إقليم أو إقليمين" ( [52] ) .

ثم قال:"فالضابط أنّ مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله: (( صوموا لرؤيته ) ) ( [53] ) فمن بلغه أنه رؤي، ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً، وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلا بعد شهر فلا فائدة فيه، بخلاف الأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنها محل الاعتبار" ( [54] ) .

وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو أحسن الأقوال في المسألة، والله أعلم.

وقد أصدر المجمع الفقهي الإسلامي قراراً في هذه المسألة، وهذا نصه:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

لقد درس المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف المطالع في بناء الرؤية عليها، فرأى أن الإسلام بني على أنه دين يسر وسماحة تقبله الفطرة السليمة والعقول المستقيمة لموافقته للمصالح، ففي مسألة الأهلة ذهب إلى إثباتها بالرؤية البصرية لا على اعتمادها على الحساب كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة، كما ذهب إلى اعتبار اختلاف المطالع لما في ذلك من التخفيف على المكلفين مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعاً وعقلاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت