ذهب جماهير العلماء إلى أنَّ من رأى هلال رمضان وحده يلزمه صومه؛ وإن لم تقبل شهادته، وكذا لو رأى هلال شوال وحده لزمه الفطر؛ وإن لم تقبل شهادته.
وهو قول الأئمة الأربعة وابن حزم.
قال المرغيناني:"ومن رأى هلال رمضان وحده صام، وإن لم يقبل الإمام شهادته لقوله صلى الله عليه وسلم: (( صوموا لرؤيته ) ) ( [36] ) ، وقد رأى ظاهراً، وإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة" ( [37] ) .
وقال أيضاً:"ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر احتياطاً في الصوم" ( [38] ) .
وقال الدردير:"يجب على من انفرد برؤية رمضان الصوم وإظهاره، - ولا يجوز فطر - أي إظهار فطر شخص - منفرد بشوال - أي برؤيته؛ لئلا يتهم بأنه ادعى ذلك كذباً ليفطر، وأما نيّة الفطر فتجب عليه - إلا بمبيح - للفطر في الظاهر؛ كسفر وحيض؛ لأن له أن يعتذر بأنه إنما أفطر لذلك" ( [39] ) .
وقال النووي:"من رأى هلال رمضان وحده لزمه الصوم، ومن رأى هلال شوال وحده لزمه الفطر، وهذا لا خلاف فيه عندنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) )رواه البخاري ومسلم."
قال أصحابنا: ويفطر لرؤية هلال شوال سراً؛ لئلا يتعرض للتهمة في دينه وعقوبة السلطان" ( [40] ) ."
وقال المرداوي عند قول ابن قدامة في المقنع (ومن رأى هلال رمضان وحده، ورُدَّت شهادته؛ لزمه الصوم) :"وهذا الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب" ( [41] ) .
وقال عند قول ابن قدامة (وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر) :"هذا المذهب، نقله الجماعة عند أحمد، وعليه أكثر الأصحاب" ( [42] ) .
وقال ابن حزم:"ومن صح عنده بخبر من يصدقه؛ من رجل واحد أو امرأة واحدة، عبد أو حر أو أمة أو حرة فصاعداً أنّ الهلال قد رؤى البارحة في آخر شعبان ففرض عليه الصوم، صام الناس أو لم يصوموا، وكذلك لو رآه هو وحده. ولو صح عنده بخبر واحد أيضاً كما ذكرنا فصاعداً أن هلال شوال قد رؤى فليفطر أفطر الناس أو صاموا، وكذلك لو رآه هو وحده، فإن خشي في ذلك أذى؛ فليستتر بذلك" ( [43] ) .
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصيام والفطر يكون مع الناس.
فقال رحمه الله:"يصوم مع الناس ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) ) ( [44] ) رواه الترمذي."
قال:"وأصل هذه المسألة أنّ الله سبحانه وتعالى علَّق أحكاماً شرعية بمسمى الهلال والشهر، كالصوم والفطر والنحر، فقال تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ} [البقرة:189] ."
فبيَّن سبحانه أنّ الأهلة مواقيت للناس والحج، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ a أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ b شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ} [البقرة:183، 185] ، أنه أوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق عليه بين المسلمين، لكن الذي تنازع الناس فيه أن الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء، وإن لم يعلم الناس به، وبه يدخل الشهر؟ أو الهلال اسم لما يستهل به الناس، والشهر لما اشتهر بينهم؟
على قولين:
فمن قال بالأول يقول: من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم، ودخل شهر رمضان في حقه، وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان، وإن لم يعلم غيره، ويقول من لم يره إذا تبين له أنه كان طالعاً قضى الصوم، وهذا هو القياس في شهر الفطر، وفي شهر النحر، لكن شهر النحر ما علمت أن أحداً قال: من رآه يقف وحده دون سائر الحاج وأنه ينحر في اليوم الثاني ويرمي جمرة العقبة ويتحلل دون سائر الحاج، وإنما تنازعوا في الفطر، فالأكثرون ألحقوه بالنحر، وقالوا: لا يفطر إلا مع المسلمين، وآخرون قالوا: بل الفطر كالصوم، ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوماً، وتناقض هذه الأقوال يدل على أنّ الصحيح هو مثل ذلك في ذي الحجة.
وحينئذ فشرط كونه هلالاً وشهراً شهرتُه بين الناس واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين، فكذلك لا يصومون إلاَّ مع المسلمين، وهذا معنى قوله: (( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) )، قال أحمد:"يد الله على الجماعة".