وقال ابن القيم:"الصحيح قبول شهادة الواحد مطلقاً؛ كما دل عليه حديثا ابن عمر وابن عباس، ولا ريب أن الرؤية كما تختلف بأسباب خارجة عن الرائي؛ فإنها تختلف بأسباب من الرائين؛ كحدة البصر وكلاله، وقد شاهد الناس الجمع العظيم يتراءون الهلال فيراه الآحاد منهم، وأكثرهم لا يرونه، ولا يعد انفراد الواحد بالرؤية من بين الناس كاذباً" ( [17] ) .
3 ـ عدد الشهود في هلال شوال وسائر الشهور:
جمهور أهل العلم وأكثرهم على أنه لا يقبل في شهود هلال شوال إلا شهادة رجلين وأن شهادة رجل واحد غير مقبولة. ولم يخالف فيه إلا أبو ثور وابن حزم.
قال الترمذي:"ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنّه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين" ( [18] ) .
وقال النووي:"وأمّا الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلاَّ أبا ثور فجوَّزه بعدل" ( [19] ) .
واحتج الجمهور بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب المتقدم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (( فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا ) ) ( [20] ) .
وحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك الرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما ( [21] ) .
وذهب ابن حزم إلى ما قال به أبو ثور؛ وهو عدم التفرقة بين الهلالين، وأنه يكفي فيه قول واحد.
قال ابن حزم:"ولو صح عنده بخبر واحد أيضاً كما ذكرنا فصاعداً أنّ هلال شوال قد رؤى فليفطر أفطر الناس أو صاموا، وكذلك لو رآه هو وحده" ( [22] ) .
وحجته حديث ابن عمر السابق.
وقال في جوابه على الجمهور:"فإن تعلق من فرَّق بين هلال رمضان، وهلال شوال بهذين الخبرين، وقال: لم يرد إلاَّ في هلال رمضان؟"
لنا: ولا جاء نص قط بالمنع من ذلك في هلال رمضان، وأنتم أصحاب قياس، فهلاَّ قستم هلال شوال على هلال رمضان؟
فإن قالوا: إنّ الشاهد في هلال رمضان لا يجر إلى نفسه، والشاهد في هلال شوال يجر إلى نفسه.
قلنا: فردوا بهذا الظن بحينه شهادة الشاهدين في شوال أيضاً؛ لأنهما يجران إلى أنفسهما كما تفعلون في سائر الحقوق.
وأيضاً فإن من يكذب في مثل هذا لا يبالي قُبل أو رُد" ( [23] ) ."
وقال في رده على الجمهور احتجاجهم بحديث الحارث بن حاطب:"ليس فيه إلا قبوله اثنين، ونحن لا ننكر هذا، وليس فيه أن لا يقبل واحد" ( [24] ) .
وقال الشوكاني:"وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وحديث أمير مكة فهما واردان في شهادة دخول رمضان، أما حديث أمير مكة؛ فظاهر لقوله فيه: (نسكنا بشهادتهما) ، وأمّا حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب؛ ففي بعض ألفاظه: (إلا أن يشهد شاهدا عدل) ، وهو مستثنى من قوله (( فأكملوا عدة شعبان ) )فالكلام في شهادة دخول رمضان، وأمّا اللفظ الذي سيذكره المصنف أعني قوله: (( فإن شهد مسلمان فصوموا وأفطروا ) )فمع كون مفهوم الشرط قد وقع الخلاف في العمل به، هو أيضاً معارض بما تقدم من قبوله صلى الله عليه وسلم لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره، لعدم الفارق؛ فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة؛ فالظاهر أنه يكفي فيه واحد؛ قياساً على الاكتفاء به في الصوم، وأيضاً التعبد بقبول خبر الواحد يدل على قبوله في كل موضع؛ إلاَّ ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبد فيه بخبر الواحد؛ كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما قاله أبو ثور" ( [25] ) .
4ـ شروط الشهود:
أ- الإسلام.
ب- العقل.
ج- العدالة.
قال النووي:"وأما الكافر والفاسق والمغفل، فلا يقبل قولهم فيه بلا خلاف" ( [26] ) .
وقال ابن نجيم:"ويشترط العدالة في الكل؛ لأنّ قول الفاسق في الديانات التي يمكن تلقيها من العدول غير مقبول؛ كالهلال ورواية الأخبار؛ ولو تعدد كفاسقين فأكثر" ( [27] ) .
وقال في بيان العدالة المقصود بها عند الحنفية:"وحقيقة العدالة: ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، والشرط أدناها، وهو ترك الكبائر والإصرار على الصغائر، وما يخل بالمروءة" ( [28] ) .
وقال النووي:"ولا خلاف في اشتراط العدالة الظاهرة فيمن نقبله" ( [29] ) .
وقال البهوتي:"ويقبل فيه - أي هلال رمضان - وحده خبر مكلف لا مميز عدل نصاً" ( [30] ) .
حكم شهادة المرأة والعبد:
اختلف العلماء في قبول شهادة المرأة والعبد على قولين:
القول الأول: أنها تقبل؛ لأن صوم رمضان أمر ديني فأشبه رواية الأخبار. وبه قال الحنفية ( [31] ) .
القول الثاني: أنها لا تقبل؛ لأن طريقها طريق الشهادة، بدليل أنه لا يقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل. وبه قال المالكية والشافعية ( [32] ) .
حكم شهادة المستور ( [33] ) :
اختلف العلماء في قبول شهادة المستور على قولين:
القول الأول: أنه لا تقبل شهادته ؛ لأنه لم تظهر عدالته لنا. وهو قول للحنفية والشافعية ( [34] ) .
القول الثاني: أنه تقبل شهادته ؛ لأنه يُسامح فيه كما يُسامح في العدد احتياطاً. وهو قول الحنفية والأصح عند الشافعية ( [35] ) .
5 ـ صوم المنفرد وإفطاره: