فهرس الكتاب

الصفحة 6212 من 9994

كانت فرحة المؤمنين من سكان يثرب من أنصار ومهاجرين بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصوله إليهم سالماً فرحة أخرجت النساء من بيوتهن والولائد، وحملت الرجال على ترك أعمالهم ، وكان موقف يهود المدينة موقف المشارك لسكانها في الفرحة ظاهراً ، والمتألم من منافسة الزعامة الجديدة باطناً ، أما فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم ، فلا عجب فيها ، وهو الذي أنقذهم من الظلمات إلى النور ، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، وأما موقف اليهود فلا غرابة فيه ، وهم الذين عرفوا بالملق والنفاق للمجتمع الذي فقدوا السيطرة عليه ، وبالغيظ والحقد الأسود على من يسلبهم زعامتهم من الشعوب ، ويحول بينهم وبين سلب آمالهم باسم القروض ، وسفك دمائها باسم النصح والمشورة ، وما زال اليهود يحقدون على كل من يخلص الشعوب من سيطرتهم ، وينتهون من الحقد إلى الدس والمؤامرات ، ثم إلى الاغتيال إن استطاعوا ، ذلك دينهم ، وتلك جبلتهم (30) .

ويستفاد من استقبال المهاجرين والأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية استقبال الأمراء والعلماء ، عند مقدمهم بالحفاوة والإكرام ، فقد حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا الإكرام وهذه الحفاوة نابعين من حب للرسول بخلاف ما نراه من استقبال الزعماء والحكماء في عالمنا المعاصر، ويستفاد كذلك التنافس في الخير وإكرام ذوي العلم والشرف ، فقد كانت كل قبيلة تحرص أن تستضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعرض أن يكون رجاله حراساً له ، ويؤخذ من هذا إكرام العلماء والصالحين ، واحترامهم وخدمتهم (31) .

15 ـ بين القدوة في الهجرة والتشريف في المعراج:

كانت الهجرة النبوية الشريفة على النحو الذي كانت عليه ، وسارت على الوضع الذي يسلكه كل مهاجر ، حتى توجد القدوة ، وتتحقق الأسوة ، ويسير المسلمون على نهج مألوف ، وسبيل معروف ، ولذلك ، فلم يرسل الله ـ عز وجل ـ له صلى الله عليه وسلم البراق ليهاجر عليه كما حدث في ليلة الإسراء ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم هجرته أحوج إلى البراق منه في أي وقت آخر؛ لأن القوم يتربصون به هنا ولم يكن هناك تربص في ليلة الإسراء ، ولو ظفروا به في هجرته لشفوا نفوسهم منه بقتله ، والحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن الهجرة كانت مرحلة طبيعية من مراحل تطور الدعوة ووسيلة من أهم وسائل نشرها وتبليغها ، ولم تكن خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان غيره من المؤمنين مكلفين بها ، حين قطع الإسلام الولاية (32) ، بين المهاجرين وغير المهاجرين القادرين على الهجرة ، قال تعالى: ? إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ? (سورة الأنفال: الآية 72) .

أما رحلة الإسراء والمعراج كانت رحلة تشريف وتقدير ، كما كانت إكراماً من الله ـ عز وجل ـ لنبيه ليطلعه على علم الغيب ويريه من آياته الكبرى ، فالرحلة من أولها إلى آخرها خوارق ومعجزات ومشاهد للغيبيات، فناسب أن تكون وسيلتها مشابهة لغايتها .

زد على ذلك أن رحلة الإسراء خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس لأحد من الناس أن يتطلع لمثلها ، ولسنا مطالبين بالاقتداء به فيها ، ولذا فإن حصولها على النحو الذي كانت عليه هو أنسب الأوضاع لحدوثها (33) .

16 ـ وضوح سنة التدرج:

حيث نلاحظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تقابل مع طلائع الأنصار الأولى لم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام وتلاوة القرآن عليهم ، فلما جاءوا في العام التالي بايعهم بيعة النساء على العبادات والأخلاق والفضائل ، فلما جاءوا في العام التالي كانت بيعة العقبة الثانية على الجهاد والنصر والإيواء (34) .

وجدير بالملاحظة أن بيعة الحرب لم تتم إلا بعد عامين كاملين ، أي بعد تأهيل وإعداد استمر عامين كاملين ، وهكذا تم الأمر على تدرج ينسجم مع المنهج التربوي الذي نهجت عليه الدعوة من أول يوم (35) .

إنه المنهج الذي هدى الله نبيه إلى التزامه ، ففي البيعة الأولى بايعه هؤلاء الأنصار الجدد على الإسلام عقيدة ومنهاجاً وتربية ، وفي البيعة الثانية بايعه الأنصار على حماية الدعوة ، واحتضان المجتمع الإسلامي الذي نضجت ثماره، واشتدت قواعده قوة وصلابة .

إن هاتين البيعتين أمران متكاملان ضمن المنهج التربوي للدعوة الإسلامية وإن الأمر الأول هو المضمون ، والأمر الثاني وهو بيعة الحرب هو السياج الذي يحمي ذلك المضمون ، نعم كانت بيعة الحرب بعد عامين من إعلان القوم الإسلام وليس فور إعلانهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت