بعد عامين إذ تم إعدادهم حتى غدوا موقع ثقة وأهلاً لهذه البيعة ، ويلاحظ أن بيعة الحرب لم يسبق أن تمت قبل اليوم مع أي مسلم ، إنما حصلت عندما وجدت الدعوة في هؤلاء الأنصار وفي الأرض التي يقيمون فيها المعقل الملائم الذي ينطلق منه المحاربون ، لأن مكة لوضعها عندئذ لم تكن تصلح للحرب (36) .
وقد اقتضت رحمة الله بعباده (أن لا يحملهم واجب القتال ، إلى أن توجد لهم دار الإسلام ، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه ، ويلوذون به ، وقد كانت المدينة المنورة أول دار الإسلام(37) .
لقد كانت البيعة الأولى قائمة على الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم والبيعة الثانية على الهجرة والجهاد ، وبهذه العناصر الثلاثة: الإيمان بالله ، والهجرة ، والجهاد ، يتحقق وجود الإسلام في واقع جماعي ممكن والهجرة لم تكن لتتم لولا وجود الفئة المستعدة للإيواء ولهذا قال تعالى: ? إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير? (سورة الأنفال: الآية 72) ، وقال تعالى: ? والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ? (سورة الأنفال:75) .
وقد كانت بيعة الحرب هي التمهيد الأخير لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ، وبذلك وجد الإسلام موطنه الذي ينطلق منه دعاة الحق بالحكمة والموعظة (الحسنة) وتنطلق منه جحافل الحق المجاهدة أول مرة ، وقامت الدولة الإسلامية المحكمة لشرع الله (38) .
17 ـ التضحية في الهجرة:
كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) (39) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله في الحمى ، وكان واديها يجري نجلاً ـ يعني ماء آجناً ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه ، قال: فكان أبوبكر، وعامر بن فهيرة ، وبلال في بيت واحد ، فأصابتهم الحمى ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب وبهما ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك (40) ، فدنوت من أبي بكر فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
قالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقول: ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه (41) كالثور يحمي جلده بروقه (42)
قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول . قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته (43) ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيت ليلة بواد وحولي إذخر (44) وجليل
وهل أُرِدَن يوماً مياه مَجِنَة وهل يبدون لي شامة وطفيل (45)
قالت: فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة ، أو أشد ، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها واجعلها بالجحفة) (46) .
ولا يخفى دور أم معبد رضي الله عنها في الهجرة، فكانت مكافأتها منه صلى الله عليه وسلم جزيلة. فقد استجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطناً ممتازاً لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم (47) .
18 ـ حسن المكافأة:
وقد روي أنها كثرت غنمها ونمت حتى جلبت منها جلباً إلى المدينة ، فمر أبو بكر ، فرآه ابنها فعرفه ، فقال: يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك ، فقامت إليه فقالت: يا عبدالله من الرجل الذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو؟ قالت: لا، قال: هو نبي الله ، فأدخلها عليه ، فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها ـ وفي رواية: فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من أقط ومتاع الأعراب ، فكساها وأعطاها ، قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت ، وذكر صاحب (الوفاء) أنها هاجرت هي وزوجها ، وأسلم أخوها حبيش، واستشهد يوم الفتح (48) .
19 ـ هكذا يكون الأتباع: