2 ـ كذا استدلوا بالحديث الثالث الذي معنا وهو حديث عائشة رضي الله عنها: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» وفيرواية «في غِلاق» قال أبو داود بعد أن ساق الحديث: الغلاق أظنه الغضب، وفسره أبو عبيد وغيره بأنه الإكراه. وفسره غيرهما بالجنون، وقيل: هو نهي عن إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة، فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شيء. كغلق الرهن. حكاه أبو عبيد الهروي. قاله ابن القيم في زاد المعاد، ثم قال: قال شيخنا [يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله] : وحقيقة الإغلاق: أن يغلق على الرجل قلبه، فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته، قال: ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب، وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال. اهـ [زاد المعاد 5/215]
3 ـ كذا استدلوا بما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في عدم وقوع طلاق المكره، فمن ذلك:
( أ ) ما ورد عن عمر: أن رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا (أي ليخرجه من خليته)
فجاءت امرأته فقالت: لأقطعن الحبل أو لتطلقني، فناشدها الله فأبت، فطلقها، فلما ظهر أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر ذلك له، فقال له: ارجع إلى امرأتك فإن هذا ليس بطلاق. [أورد هذا الأثر ابن حزم في المحلي]
(ب) ما روي عن عمر أنه قال: ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أخفته أو ضربته أو أوثقته.
(جـ) ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: طلاق السكران والمستكره غير جائز.
4 ـ أن المكره على النطق بالكفر لا يكفر بذلك لقوله تعالى: .. إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. [النحل: 106] ، فكذلك لا يقع طلاقه، ما دام مكرها على ذلك.
5 ـ أن المكره على الإسلام لا يصح منه الإسلام، فكذلك لا يصح طلاقه بجامع عدم الاختيار في كل.ويرى الحنفية وهو قول أبي قلابة والشعبي والنخعي والزهري والثوري أن طلاق المكره يقع، واستدلوا بأدلة هي:
1 ـ روى الغازي بن جبلة عن صفوان بن عمران الأصم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جلست امرأته على صدره وجعلت السكين على حلقه وقالت له: طلقني أو لأذبحنك فناشدها فأبت فطلقها ثلاثا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا قيلولة في الطلاق» . [رواه سعيد بن منصور في سننه] . والقيلولة هنا بمعنى الرفع والنسخ، وقد نفي رفع الطلاق ونسخه إذا كان واقعا عن إكراه فدل ذلك على وقوع طلاق المكره.
2 ـ روى عطاء بن عجلا عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله» .
[ذكره ابن القيم في زاد المعاد ولم يعزه لأحد من أصحاب الكتب]
3 ـ روى سعيد بن منصور في سننه عن عمرو بن شراحيل المعافري أن امرأة استلت سيفا فوضعته على بطن زوجها وقالت له: والله لأُنْفِذَنَّك أولَتُطَلِّقَنِّي، فطلقها ثلاثا، فرفع ذلك إلي عمر بن الخطاب فأمضى طلاقها.
4 ـ روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه.
5 ـ وقالوا: إن المكره بالغ عاقل وقد تلفظ بالطلاق عالما بما يقول مُؤْثِرًا له على ما هدد به، وهذا علامة على اختياره، وبناء على ذلك يقع طلاقه.ولقد أجاب الجمهور على أدلة أصحاب القول الثاني وفندوها على النحو
التالي:
أولا: حديث الغازي بن جبلة فيه ثلاث علل ـ كما قال ابن القيم ـ ضعف صفوان ابن عمرو، ولين الغازي بن جبلة، وتدليس بقية الراوي عنه، فمثل هذا لا يحتج به.قال ابن حزم: وهذا خبر في غاية السقوط.
ثانيا: حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال ابن القيم: هو من رواية عطاء بن عجلان وضعفه مشهور، وقد رمي بالكذب، قال ابن حزم: وهذا الخبر شر من الأول.
ثالثا: أثر عمر: قال عنه ابن القيم: الصحيح عنه خلافه كما تقدم (أي في أدلة الجمهور) ولا يعلم معاصرة المعافري
لعمر، وفرج بن فضالة فيه ضعف فلا حجة فيه.
رابعًا: أثر على: قال ابن القيم: الذي رواه الناس عن علي خلاف ذلك، فعن الحسن أن علي بن أبي طالب كان لا يجيز
طلاق المكره.
النوع الثالث: طلاق الغضبان وهو مستفاد من الحديث الثالث، حديث عائشة رضي الله عنها «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» وفي رواية «في غِلاق» وقد فسر الإغلاق بالغضب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وذكر أبو داود رحمه الله بعد أن ساق الحديث أنه يظن أنه الغضب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ـ كما نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد ـ: حقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به، كأنه انغلق عليه قصده وإرادته، ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون، ومن زال عقله بسكر أو غضب، وكلُّ من لا قصد
له ولا معرفة له بما قال.ولقد ذكر ابن القيم أن الغضب على ثلاثة أقسام:
الأول: الغضب الشديد الذي يزول معه العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه
بلا نزاع.