الثاني: الغضب الخفيف الذي يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول ولا يمنعه من قصده، فهذا يقع طلاقه.الثالث: الغضب المتوسط الذي يستحكم به ويشتد، ولكن لا يزيل عقله بالكلية بل يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال عنه الغضب، فهذا محل نظر، قال: وعدم الوقوع في هذه الحال قوي متجه.
النوع الرابع: طلاق السكران
السكر على نوعين:
أولهما: ما كان بغير إرادة من صاحبه ـ كأن يشرب شيئا لا يظن أنه مسكر فإذا به يسكره، أو أن يُكْرَه على الشرب من مسكر.وهذا طلاقه لا يقع باتفاق العلماء.
والثاني: المتعدي بسكره ـ أي أنه شرب المسكر بعلمه وبإرادته من غير إكراه من أحد، وهذا فيه خلاف بين العلماء على قولين:
الأول: قول جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب
الأربعة وهو قول سعيد ابن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وغيرهم، وروي
عن علي وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم.واستدل هؤلاء على وقوع طلاق السكران
المتعدي بسكره بما يلي:
1 ـ أن السكران هو الذي تسبب في ذهاب عقله بتناول المسكر عمدًا فوجب أن يتحمل وزر سكره وعلى ذلك يقع طلاقه.
2 ـ أنه اختار تناول المسكر عمدًا، وهذا يقوم مقام إرادته لفظ الطلاق، فيجب زجره بإيقاع الطلاق عليه
عقوبة له.
3 ـ أن الصحابة أقاموه مقام الصاحي في كلامه، فإنهم قالوا: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون، فجعلوه كالصاحي عقوبة له.
4 ـ كذلك استدلوا بحديث: «لا قيلولة في الطلاق» وقد تقدم أنه لا حجة فيه.
5 ـ واستدلوا أيضا بحديث: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه» وقد تقدم أيضا أنه ضعيف، إلى غير ذلك من الأدلة، وقد ساقها ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ وعقب عليها بقوله: وليس في شيء منها حجة أصلا. ثم فندها واحدًا واحدًا.
القول الثاني: أن طلاق السكران الذي تعمد شرب المسكر لا يقع؛ وبهذا القول قال الطحاوي وزفر من الأحناف، وهو قول للشافعي والمزني، ورواية عن مالك، وأحمد في رواية عنه، كما أنه اختيار ابن تيمية وابن القيم وابن حزم، وصح عن عثمان رضي الله عنه.
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدم وقوع الطلاق بما يلي:
1 ـ قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [النساء: 43] فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر.
2 ـ ما صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمقر بالزنا أن يستنكه (أي تشم رائحة فمه) ليعتبر قوله أو يلغى.
3 ـ ما جاء في صحيح البخاري في قصة حمزة بن عبد المطلب لما عقر بعيرَيْ عليٍّ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ووقف عليه يلومه. فَصَعَّدَ فيه النظر وصوَّبه وهو سكران، ثم قال هل أنتم إلا عبيد لأبي، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرًا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة فدل على أن طلاق السكران لا يقع.
4 ـ أن السكران كالمجنون، كل منهما فاقد العقل الذي هو مناط التكليف، وفاقد العقل لا طلاق له.
5 ـ أن السكران قدَّرَ له الشرعُ عقوبةً
محددة، وهي جلده أربعين أو ثمانين جلدة، فيجب الاقتصار عليها ولا تجوز الزيادة عنها بإيقاع الطلاق عليه، لأن هذا يكون زيادة في التشريع أولا، ثم إنه قد يتسبب في إيقاع عقوبة على من لا ذنب له من زوجة وأولاد، والله عز وجل يقول: ألا تزر وازرة وزر أخرى [النجم: 38] . إلى غير ذلك من الأدلة العقلية التي ترجح هذا القول. ولا شك أن هذا هو القول الراجح. والله أعلم. النوع الخامس: طلاق من يحدث نفسه بالطلاق
وهو مستفاد من الحديث الخامس، حديث أبي هريرة: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: تضمنت هذه السنة أن ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو عتاق أو يمين أو نذر عفوٌ غير لازم بالنية والقصد، قال: وهذا قول الجمهور، وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: التوقف فيها، قال عبد الرزاق عن معمر: سئل ابن سيريرن عمن طلق في نفسه، فقال: أليس قد علم الله ما في نفسك؟ قال: بلى، قال: فلا أقول فيها شيئًا.
الثاني: وقوعه إذا جزم عليه، وهذا رواية أشهب عن مالك، وروي عن الزهري، وحجة هذا القول:
1 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» .
2 ـ أن من كفر في نفسه فهو كفر.
3 ـ قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله.
4 ـ أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها.
5 ـ أن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح، ولهذا يثاب على الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكل والرضى والعزم على الطاعة، ويعاقب على الكبر والحسد والعُعجبِ والشك والرياء وظن السوء بالأبرياء.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ ولا حجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النية من غير تلفظ، ثم فند حجج القائلين بوقوع الطلاق حجة حجة فيما ملخصه: