فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال النووي في المجموع (4/521) :"وأما الدعاء للسلطان فاتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب، وظاهر كلام المصنف وغيره أنه بدعة؛ إما مكروه وإما خلاف الأولى، هذا إذا دعا له بعينه، فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق، والمختار أنه لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها والله أعلم".
وقد استثنى بعضهم من المنع ما إذا خاف الخطيب الضرر على نفسه، قال الحافظ في الفتح (2/415) :"وقد استُثنِي من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع مثل الدعاء للسلطان مثلا، بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه، وقال النووي: محله ما إذا جازف وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب، اهـ. ومحل الترك إذا لم يخف الضرر، وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه والله أعلم".
وقال أحمد الدردير في الشرح الكبير (1/387) :"وهو مكروه إلا أن يخاف على نفسه كما هو الآن".
وقال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح (ص 334) مبينا جوازه وأنه ليس بسنة ولا بدعة:"وسُن الدعاء فيها للمؤمنين، وجاز الدعاء للسلطان بالعدل والإحسان، وكره تحريما وصفه بما ليس فيه".
وأما القول بالاستحباب فقال ابن قدامة في المغني (3/181) :"وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن، وقد روى ضبّة بن محصن، أن أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لعمر وأبي بكر، وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد، وقال القاضي: لا يستحب ذلك ؛ لأن عطاء قال: هو محدث. وقد ذكرنا فعل الصحابة له، وهو مقدم على قول عطاء ؛ لأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاءٌ لهم، وذلك مستحب غير مكروه".
وقال المرداوي في الإنصاف (5/243-244) :"وقيل: يستحب للسلطان، وما هو ببعيد، والدعاء له مستحب في الجملة، حتى قال الإمام أحمد وغيره: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاح للمسلمين".
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (8/232-233) :"الأفضل إذا دعا الخطيب أن يعم بدعوته حكام المسلمين ورعيتهم، وإذا خصّ إمام بلاده بالدعاء بالهداية والتوفيق فذلك حسن، لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين إذا أجاب الله الدعاء".
الشيخ عبد الله بن قعود الشيخ عبد الرزاق عفيفي
الشيخ عبد الله بن غديان الشيخ عبد العزيز بن باز
د- الدعاء للخلفاء المتقدمين:
قال الشاطبي في الاعتصام (ص1/21) :"سئل أصبغ عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين فقال: هو بدعة ولا ينبغي العمل به، وأحسنُه أن يدعو للمسلمين عامة، قيل له: فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه، وأما أن يكون شيئًا يصمد له في خطبته دائمًا فإني أكره ذلك".
ونقل أيضًا عن العز بن عبد السلام أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة.
هـ- الدعاء للظلمة:
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (18/107) :"ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين، والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فهو من ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل".
وللمناسبة نذكر قصة طريفة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (17/22-23) فقال:"وقد حكى أبو المظفر أنه حضر يوما عنده الجمعة ـ أي: عند أبي عمر المقدسي أخي موفق الدين ابن قدامة ـ وكان الشيخ عبد الله اليونيني حاضرًا هناك، فلما انتهى الشيخ أبو عمر إلى الدعاء للسلطان قال: اللهم أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فنهض الشيخ عبد الله وترك الجمعة، فلما فرغنا ذهبت إليه فقلت له: ماذا نقمت؟ فقال: يقول لهذا الظلام: العادل؟! فبينما نحن في الحديث إذ أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيف وخيارتان، فكسر ذلك وقال: الصلاة، ثم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بعثت في زمن الملك العادل كسرى ) )، فتبسم الشيخ عبد الله، ومد يده فأكل، فلما قام الشيخ أبو عمر قال لي: يا سيدنا، ما ذا إلا رجل صالح. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كان الشيخ عبد الله من الصالحين الكبار، وقد رأيته، وكانت وفاته بعد أبي عمر بعشر سنين، فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه، ولعله كان مسافرا لا جمعة عليه، وعُذر الشيخ أبي عمر أن هذا قد جرى مجرى الأعلام: العادل، الكامل، الأشرف، ونحوه، كما يقال: سالمٌ، وغانمٌ، ومسعودٌ، ومحمودٌ، وقد يكون المسمى بذلك على الضد من هذه الأسماء، وكذلك إطلاق العادل ونحوه قد دخل إطلاقه على المشرك، فهذا أولى".