فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله في المختارات الجلية (ص70) :"وأما اشتراط تلك الشروط في الخطبتين ـ الحمد والصلاة على رسوله وقراءة آية من كتاب الله ـ فليس على اشتراط ذلك دليل، والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة أن ذلك كاف، وإن لم يلتزم بتلك المذكورات، نعم من كمال الخطبة الثناء فيها على الله وعلى رسوله، وأن تشتمل على قراءة شيء من كتاب الله، وأما كون هذه الأمور شروطًا لا تصح إلا بها سواء تركها عمدًا أو خطأ أو سهوًا ففيه نظر ظاهر، وكذلك كون مجرد الإتيان بهذه الأركان الأربعة من دون موعظة تحرك القلوب يجزي ويسقط الواجب، وذلك لا يحصل به مقصود فغير صحيح".
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع (5/73-74) :"وقال بعض أهل العلم: إن الشرط الأساسي في الخطبة أن تشتمل على الموعظة المرقِّقة للقلوب المفيدة للحاضرين، وأن البداءة بالحمد أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة آية أو ما أشبه ذلك كله من كمال الخطبة."
ولكننا نقول: هذا القول وإن كان له حظ من النظر لا ينبغي للإنسان أن يعمل به إذا كان أهلُ البلد يرون القولَ الأول الذي مشى عليه المؤلف، لأنه لو ترك هذه الشروط التي ذكرها المؤلف لوقع الناس في حرج، وصار كل يخرج من الجمعة، وهو يرى أنه لم يصل الجمعة، وفيه تأليف الناس، وإذا أتيت بهذه الشروط لم تقع في محرم. ومراعاة الناس في أمر ليس بحرام مما جاءت به الشريعة، فقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الصوم والفطر في رمضان، وراعاهم عليه الصلاة والسلام في بناء الكعبة فترك بناءها على قواعد إبراهيم، وهذه القاعدة معروفة في الشرع"."
4.الدعاء الذي أنكره العلماء أو بعضهم في خطبة الجمعة:
بعدما تبين مشروعية الدعاء في الجملة في خطبة الجمعة وتقرر استحبابه، يحسن إكمال البحث ببيان ما أنكره العلماء في هذا الباب، وفي بعض ذلك خلاف، فمن ذلك:
أ- رفع الخطيب يديه في الدعاء:
وقد تقدم حديث عمارة بن رويبة وفيه إنكاره رضي الله عنه ذلك على بشر بن مروان، قال الشوكاني في النيل (3/271) بعد هذا الحديث وحديث سهل:"الحديثان يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء وأنه بدعة".
وأخرج أحمد (4/105) عن غُضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء، إنا قد جمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة ) )فتمسكٌ بسنة خير من إحداث بدعة.
جوّد إسناده الحافظ في الفتح (13/253) ، ورمز له السيوطي بالحسن، وفي ذلك نظر، قال الهيثمي في المجمع (1/188) :"فيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث"، ولذا ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (37) .
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (2/55) عن الزهري قال: (رفع الأيدي يوم الجمعة محدث) ، وأخرج أيضًا عن عبد الله بن مرة قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديهم، فقال مسروق: (قطع الله أيديكم) .
والقول برفعهما وجه في مذهب الحنابلة، قال شيخ الإسلام كما في الاختيارات (ص80) :"ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يشير بأصبعه إذا دعا، وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر"، وقال المرداوي في الإنصاف (5/245-246) :"وقيل: يرفعهما، وجزم به في الفصول، وهو من المفردات، وقيل: لا يستحب، قال المجد: هو بدعة".
وقال ابن مفلح في المبدع (2/164) :"قال المجد: هو بدعة، وفاقًا للمالكية والشافعية وغيرهم".
ب- الدعاء لمعيّن أو على معيّن:
وقد اختُلف في ذلك، فقال الشافعي في الأم (1/180) :"فإن دعا لأحد بعينه أو على أحد كرهته، ولم تكن عليه إعادة".
وبوَّب البيهقي في سننه الكبرى (3/217) :"باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه أو على أحد بعينه في الخطبة"، وأخرج فيه بسنده عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أن لا يسمى أحد في الدعاء.
وقال المرداوي في الإنصاف (5/243) :"ويجوز لمعيّن مطلقًا".
ج - الدعاء للسلطان:
واختُلف في ذلك أيضًا، فقيل: هو بدعة، وقيل: هو جائز، وقيل: هو مستحب.
فقال بالمنع منه عطاء بن أبي رباح، فقد سئل عن ذلك فقال: إنما أُحدث، وإنما كانت الخطبة تذكيرًا، أخرجه الشافعي في الأم (1/179-180) ، ومن طريقه البيهقي في الكبرى عن عبد المجيد عن ابن جريج عنه، قال النووي في المجموع (40/518) :"هو إسناد صحيح إلا عبد المجيد فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وضعفه أبو حاتم الرازي والدارقطني".
وقال القاضي ـ كما في المغني (3/181) ـ:"لا يستحب ذلك؛ لأن عطاء قال: هو محدث". وكذا قال الشيرازي في المهذب.