والهدهد في العادة (( نوع من الطير ... في رائحته نتن ، وفوق رسه قزعة سوداء ، وهو أسود البراثن ، أصفر الأجفان ، يقتات الحبوب والدود ، ويرى الماء من بعد ويحس به في باطن الأرض فإذا رفرف على موضع علم أن فيه ماء ، وقال الجاحظ: زعموا أنه هو الذي كان يدل سليمان على مواضع الماء في قعور الأرضين ) )، وقد ذكروا في سبب نتن رائحته أن ذلك عائد إلى أنه يبني بيته من الزِّبل ، أو إلى تلك الجيفة المنتنة في رأسه ، إذ تزعم العرب أن أم الهدهد لما ماتت جعل قبرها على رأسه ، فجعل الله له تلك القنزعة على رأسه ثوابا له على ماكان من بره لأمه ! وقيل: بل هو منتن من نفسه من غير عرضٍ عرَضَ له ، شأنه في ذلك شأن التيوس والحيات وغيرها .
والعرب يضربون المثل بقوة إبصار الهدهد فيقولون: أبصر من هدهد ، كما يقولون: أبصر من غراب وأبصر من عقاب وأبصر من فرس .
بعد هذه المعلومات الخاطفة عن جنس الهدهد بشكل عام نرجع إلى هدهدنا السليماني في هذه القصة الفريدة العجيبة ، وسنقف وقفات في مدرسة هذا الهدهد ، وفي قصته مع سليمان في الجملة ، وسنفاجأ حقيقة بمدى ما كان لهذا الهدهد من إيمان وذكاء وأدب .
الوقفة الأولى / الهدهد الإيجابي
لقد شاهد الهدهد إبان طيرانه قوما يعبدون الشمس ، شاهد هذا المنكر العظيم ، فماذا فعل ياترى ؟ إنه لم يقف موقفا سلبيا ، وإنما ذهب وتحرك وتقصى ، وألقى بالنبأ إلى سليمان عليه السلام ، باذلا بذلك كل وسعه في تغيير المنكر ، وضاربا بذلك أروع المثل في الإيجابية العملية .
لقد فعل الهدهد ذلك كله دون تكليف مسبق ، أو تنفيذ لأمر صادر ، وجلب للقيادة المؤمنة خبرا أدى إلى دخول أمة كاملة في الإسلام .
إن هذا لا يعني التسيب والتصرف الفردي ، ولكنه يدل على الإيجابية الهادفة بضوابطها ، دون الخروج على أهداف المجموع .
إن هذه الإيجابية التي تميز بها الهدهد السليماني هي مانفتقده اليوم في كثير من شباب الصحوة اليوم ، فهم ـ إلا من رحم الله ـ لا يكادون يبادرون إلى عمل ، أو يسارعون إلى بذل ، ولا يتحرك أحدهم إلا حين يكلف بعينه وشخصه ، ومع ذلك فهو يتثاقل في التنفيذ ، ويبطئ في الأداء !
وماهكذا كان السلف ، بل كانوا إيجابيين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، وإنك لتنظر إلى جيل الصحابة فترى لكل صحابي سمة معينة وإبداعا متميزا ، فمنهم من أشار واقترح ، ومنهم من أوضح وشرح ، ومنهم من أضاف واستدرك ... وحسبنا خبر ذلك الصحابي في معركة القادسية حين رأى خيل المسلمين تنفر من فيلة الفرس فصنع فيلا من طين ، وأنس به فرسه حتى ألفه ، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل ، فحمل على الفيل المقدم حتى دحره .
إن لهذه الإيجابية ثمرات عديدة رائعة منها:
1ـ نمو الحضارة الإنسانية: فمعظم الاختراعات والابتكارات كانت فردية ، وبدأت بإيجابية عملية من عالم أو صانع .
2ـ الإعذار إلى الله: وقد امتدح الله قوما واصلوا الوعظ والإرشاد لقوم غلف القلوب لا لشيء إلا للإعذار إلى الله { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } .
3ـ احترام النفس والثقة بها: فالإيجابي رجل يحترم نفسه ويعرف قدرها في غير غرور ولاكبر ، وانظر إلى ذلك الذي قال له رجل: إريدك في حويجة فقال له: ابحث لها عن رجيل !
إن التواضع الكاذب المصطنع ليس إلا فرارا من البذل ، ونكوصا عن العطاء ، والمؤمن الحق باذل إيجابي لا يعوقه معرفته بعيبه عن البذل والعطاء .
ومن أراد أن يزيد إيجابيته فعليه بتقوية الإيمان ، وتجنب الهوى ، وحفظ الهمة ، وتحصيل العلم ، والإبداع في التخصص .
الوقفة الثانية / الهدهد ومهارات الخطاب
لقد كان في خطاب الهدهد لسليمان العديد من المهارات والإبداعات التي يحسن بالشاب المسلم أن يتعلمها وهو يخاطب الآخرين .
1ـ فنلحظ أولا إيجازه للخطاب مع سليمان ، فقد جمع في أسطر معدودة قصته الطويلة مع هذه الملكة التي تعبد وقومها الشمس .
إن الهدهد يدرك أنه يخاطب ملكا ، والملوك أوقاتهم مليئة بالمشاغل وليس لديهم وقت لسماع التفاصيل والجزئيات ، ومن هنا ركز الهدهد على أصول المسائل فأوجز وأبلغ .
وعلى الشاب المسلم أن يدرك هذا ، فإذا تخاطب مع مسؤول كبير ، أو شيخ فاضل ، أو عالم جليل ، أو أخ نبيل ، إذا تخاطب مع أحد هؤلاء المليئة أوقاتهم بالعمل فعليه ألا يكون ثرثارا مهذارا ، يجعل من الحبة قبة ، ويحيل السؤال الصغير إلى قصة طويلة عريضة ، إن في هذا من إهدار وقت الفضلاء ما لا يطاق ولا يحتمل ، وإنك حين تفعل هذا أيها الأخ فستكون ثقيلا بغيضا ، لأن المقابل يشعر أنك تضيع وقته .
إذا أيها الأخ راع ظرف المخاطب ومنزلته ومكانته .
2ـ استفتح الهدهد خطابه لسليمان بشيء عجيب ، إذ قال له: { أحطت بما لم تحط به } !