فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الهدهد (( يعرف حزم الملك وشدته ، ولذلك بدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته ، وتضمن إصغاء الملك له ... وأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له: { أحطت بما لم تحط به } ؟! ) ) [في ظلال القرآن 5/2638]
وهكذا عليك أيها الأخ أن تكون في خطابك ذكيا ، وأن تفلح في جذب استماع المخاطب ، حتى تتمكن من إيصال رسالتك .
ولئن كان الهدهد بهذا الأسلوب يحاول أن ينجو من عقوبة ، فإنا نستخدمه ونطوره لنشر الخير والدعوة ، ذلك أن الكثيرين من العصاة حولنا لا يأنسون بكلامنا ، وينفرون من هذه المواعظ المعتادة التي تلقى ، وبمجرد أن تبدأهم بالحديث بها أو عنها فإنهم يعرضون ، ولذلك فأنت بحاجة إلى مدخل ذكي تشد به أسماعهم وتأسر ألبابهم حتى تتسلل كلمات الحق إلى قلوبهم .
أذكر أن أحد الخيرين رأى نفرا من الشباب الضائعين في مطعم ، فجاءهم وقال: هنيئا لكم أيها الشباب ! إن هذه الأرض تشهد لكم عند الله ! قالوا: كيف ؟ قال: ألستم تصلون ؟ قالوا: بلى ، قال: فالأرض تشهد لكل من صلى عليها ! لقد كان هذا مدخلا ذكيا جذب به أسماعهم وأزال الحواجز بينه وبينهم .
3ـ حين أخبر الهدهد سليمان عليه السلام بخبر بلقس وقومها وكفرهم بالله ، لم يقل لسليمان: اذهب فأمرهم بالتوحيد والسجود لله ، وإنما قال: { ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء ... } ، فالهدهد هنا ألمح بالحل ، ولم يأمر به ، اقترح ولم يفرض ، عرض ولم يصرح بالتكليف .
وبمثل هذا الأسلوب يمكن أن نكسب الناس .
إن طبيعة النفس الإنسانية أنها تنفر من الأوامر الصارمة المتعددة الجازمة ، ولذلك كان لزاما علينا ونحن نوجه الناس ونعظهم أن نجتنب صيغة الأمر المباشر ، ونحاول اللجوء لأسلوب العرض والاقتراح ... وكم بين أن تقول لشخص: ياهذا قم الليل ألا تعلم فضل قيامه ؟ إلى متى النوم والغفلة .. وبين أن تقول له: يا أخي ، لقد وفق الله المصطفين من عباده فصفوا أقدامهم بالأسحار مصلين ، فأصبحوا ووجوهم مشرقة منيرة ، ياليتنا نكون منهم .
فكن يا أخي قليل الأوامر ، ولاسيما إذا لم تكن مسؤولا .
4ـ حين أخبر الهدهد انبغاء السجود لله قال: { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } ، فاختار وصف الله بالعظمة تذكيرا لسليمان بأن هناك من هو أعظم منه ، محاولا بهذا أن يخفف من غضب سليمان عليه السلام عليه .
5ـ قال ابن القيم في قوله تعالى: { وجئتك من سبأ بنبأ يقين } : (( والنبأ هو الخبر الذي له شأن ، والنفوس متطلعة إلى معرفته ، ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب ، فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ ، استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر ، وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته ، وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ، ثم الكشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التوكيد ,,, ) ) [شفاء العليل 71 نقلا عن الإيجابية في حياة الداعية 24]
الوقفة الثالثة / الهدهد وإنكار المنكر
وهذا شيء بين ، فقد ساءه ما رأى من عبادة بلقيس وقومها للشمس ، فتمعر وجهه لذلك وحمي أنفه ، ومازال بهم وبسليمان حتى دخلوا جميعا في الإسلام وزال هذا المنكر .
فهل نجد في واقعنا صدى لهذه الخصلة ؟
إن إنكار المنكر ـ وللأسف ـ صار لا يشكل جزءا من همنا ولا من تربيتنا مع أننا جميعا نحفظ حديث السفينة وندرك خطر المنكرات حين تنتشر .
وحسبنا زاجرا ذلك الأثر الذي جاء فيه أن الله أمر جبريل أن يهلك أهل قرية لفسقهم ، فقال: يارب إن فيهم عبدك فلانا ما عصاك قط ! قال: فبه فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه من أجلي !
الوقفة الرابعة / الهدهد الدقيق
أنظر إلى قول الهدهد: { أحطت بما لم تحط به } ، قال الشوكاني: (( والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته ) )ويقول الطاهر بن عاشور: (( والإحاطة: الاشتمال على الشيء وجعله في حوزة المحيط ، وهي هنا مستعارة لاستعياب العلم بالمعلومات ) )
فالهدهد لم يقنع بأخذ طرف من الأخبار ، وإنما مازال ببلقيس وقومها حتى ( أحاط ) بأخبارهم ، وفي هذا من الدقة والضبط ما لا يخفى .
والواجب علينا دائما ألا نبادر إلى الحكم على الشيء حتى نحيط به ، ونلم بجوانبه .
إن من مشاكل شباب الصحوة اليوم ضيق الأفق وقصر النظر ، والنظر إلى القضية أو المشكلة من زاوية واحدة دون إحاطة كإحاطة الهدهد مما يوقع في المشاكل ويؤدي إلى التعصب للرأي '
وأبرز آفات هذا الضيق في الأفق معاداة المخالف في الفروع ، ذلك أن هذا المعادي لم يحط بالمسألة من سائر جهاتها فيعرف أنها قابلة للأخذ والرد وإنما نظر من زاوية واحدة ظنها الصواب المحض ، وصدق فيه قول من قال: يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم فيحسب أن عنده العلم كله !!