ولا ريب أن الحزم والصرامة في مواجهة الخطأ كفيلة بوأده في مهده ، أما حين يخطئ الإنسان ويشيع خطؤه في الناس ثم يتراخى القائد في الأخذ على يده فإن العاقبة حينئذ تكون سيئة ، إذ يتجرأ غيره على الخطأ ، وتنكسر حيئذ هيبة القيادة .
وينبغي علينا ألا نأخذ هذا الكلام بحرفيته في تعاملاتنا فنحن إخوة قبل أن نكون رؤساء ومرؤسين ، وليس بالضرورة أن أعاقب أخي المخالف بنتف ريشه أو ذبحه ! وإنما قد تكفي أخي الحر كلمة عتاب ، أو نظرة لوم .
المهم أن القائد هو الذي يقدر العقوبة التي يستحقها المخالف ، والمهم أن يظل العمل بمبدأ الثواب والعقاب .
ولعل من المفيد هنا أن نذكر مسألة حول تعذيب الحيوان ...
قال الطاهر: (( وأما عقوبة الحيوان فتكون عند تجاوزه المعتاد في أحواله ، قال القرافي في تنقيح الفصول: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهر المؤذي هل يجوز ؟ فكتب وأنا حاضر: إذا خرجت أذيته عن عادة القطط وتكرر ذلك منه قتل .اهـ. قال القرافي: فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا ترك فإذا أكله لم يقتل لأنه طبعه ، واحترز بالقيد الثاني عن أن يكون ذلك منه على وجه القلة فإن ذلك لا يوجب قتله ... ) ). وقد حل لسليمان عليه السلام تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع ، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة .
3ـ التثبت والتبين
ونرى ذلك واضحا في قوله بعد سماعه خبر الهدهد: { قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } .
كما تجلى ذلك في استثنائه عند التهديد بالعقوبة حيث قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }
إن العجلة في الحكم وتصديق كل ما يقال والجزم بالنتائج دون سماع الرأي الآخر إن هذه كله من تصرف الغوغاء ، ولا يمكن لقائد أن ينجح مالم يتخذ من التأني والتروي والتبين والتثبت شعارا .
4ـ معرفة مواطن الضعف عند الخصم
فحين هدد سليمان عليه السلام بلقيس لم يهددها بالموت ولا بالهلاك ، بل هددهابالذلة (( ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) )، ذلك أنه شعر من قولها فيما حكاه الله عنها: (( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) )شعر من ذلك أن أخوف ما تخاف منه أن تصير ذليلة بعد العز ، فمن ثمّ خوفها بما تخاف منه ، واستغل نقطة ضعفها كما يقول المعاصرون .
الوقفة الثامنة / متابعة صدى المواقف والأقوال
إن الكثيرين من الدعاة وناشري الخير يلقون الكلمات الطيبة ، ويقفون المواقف المؤثرة ، ثم ينصرفون !
إنهم يعملون بطريقة: قل كلمتك وامش .
ومثل هذه الطريقة لا تبني رجالا بحال ، وإنما هي تؤثر تأثيرا وقتيا لا يلبث أن يزول ويمحي بمرور الأيام .
وانظر إلى هذا الدرس السليماني: { اذهب بكتابي هذه فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون } ... تأمل قوله: { فانظر ماذا يرجعون } ! نعم ليست القضية أن يلقي الكتاب ويوصل الرسالة فقط ... وإنما هناك متابعة لردة الفعل ، هل استجابوا ؟ هل لانوا ؟ هل عاندوا ؟ وبناء على ردة الفعل يكون التصرف ، وبهذا يكتمل الأمر ، ويوصل إلى التصرف السليم .
إن كثيرا من المحاولات التربوية تفشل لأن المربي يهتم بإلقاء كل ما لديه من معلومات وفوائد واحدة تلو الأخرى دون أن يتمهل لينظر أثر ما قال في تلميذه ، وهل وصلت الرسالة أم لا ؟ وهل تشرب المعنى المراد أم زل عن قلبه كما يزل الماء عن الصفاة ؟ لابد من هذا وإلا فعلى العملية التربوية العفاء .
وحين لا يلتفت المربي إلى هذا يفاجأ بمواقف مؤلمة من هذا التلميذ ، وذلك عندما تبدر منه تصرفات وأخلاقيات كان يظن أنه قد تجاوزها بمراحل .
الوقفة التاسعة / لا تغتر بما عندك
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري [ رقم 74 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ قال موسى: لا ، فأوحى الله إلى موسى: بلى ، عبدنا خضر . فسأل موسى السبل إليه ، فجعل الله له الحوت آية ، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه . وكان يتبع أثر الحوت في البحر . فقال لموسى فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانية إلا الشيطان أ أذكره . قال: ذلك ماكنا نبغي .فارتدا على آثارهما قصصا ، فوجدا خضِرا ، فكان من شأنهما الذي قصه الله في كتابه ) )... قال ابن حجر: (( وفي الحديث ... ولزوم التواضع في كل حال ، ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر عليهما السلام وطلب التعلم منه تعليما لقومه أن يتأدبوا بأدبه ، وتنبيها لمن زكى نفسه أن يسلك مسلك التواضع ) )