فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد ذُكرت كلمة الصلاح والإصلاح في كتاب الله أكثرَ من مائة وثمانين مرة، ومن أظهرِ مواردِها في كتاب الله عز وجل ارتباطُها بالإيمان، إذِ الإيمان هو أساس محاربةِ الفساد ومقاومته واجتثاث أصوله، يقول عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس:9] ، ويقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف:107] ، ويقول سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرْض...} إلى آخر الآية [النور:55] .
والعملُ الصالح فعلٌ قائم على إصلاح العقيدةِ بتوحيدِ الله عز وجلَّ والخلوصِ من الشرك، وإصلاحِ الخلق بسلوك مسالكِ الأخلاق الكريمة، من التواضع والحلم والرحمة والصبر والصدق والتودد وغيرها من طيب الصفات وكريم السجايا. وإصلاح العمل بمراقبة الله في الحلال والحرام، وسلوك مسالك التقوى والزهد والورع.
وأصلحُ الصلحاء هم أنبياءُ الله عليهم السلام، فإبراهيم عليه السلام يقول الله عز وجل فيه: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة:130] ، وفي جملةٍ من الأنبياء يقول الله عز وجل: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مّنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام:85] ، وفي آية أخرى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ الصَّابِرِينَ % وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:85، 86] .
والإصلاح والفساد يعرف من نظام الشريعة بناءً على ما في الشرع من أوامر ونواهي، أيضًا وما فيها من مباحات. فالنهي في الشريعة راجع إلى ما في الأعمال أو المعتقدات أو الأخلاق من الفساد، وكلُّ ما عبر عنه الشرع بلفظ الحرمة أو الكراهية، وكل ما ورد بتهديد الفاعل وزجرِه والإنكار عليه والوعيد فيه فهو من الفساد المذموم وما يؤدِّي إلى الفساد، وما ذكر الشرعُ بلفظ مفيدٍ للإباحة أو التحريم أو كان فيه أمرٌ بالفعل أو حظّ عليه أو وعد من الله عز وجل بثواب منه ورحمة للفاعل فهو من الصلاح الذي في الفعل، والإصلاح الذي ترغب الشريعة فيه وتأذن فيه.
وموارد الإصلاح في الدين كثيرةٌ، من أبرزها: إصلاح البيوت والأسر، والإصلاح بين الناس، وإصلاح الحكام لشؤون رعاياهم، فالله عز وجل يقول: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال:1] ، ويقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9] ، وفي الولاية على العامة يقول في الآية السابقة في حق موسى: {وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:142] ، وفي شأن الأسرة يقول الله عز وجل: {إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35] ، وفي شأن اليتامى: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة:220] .
ومما يجمعُ ذلك كلَّه أن الإسلامَ قد جعَل الإصلاحَ من آكَد شروط التّوبة. إذًا التوبةُ ليست بالندم على ما فات والإقلاع عن الذنب والعزم على أن لا يعود، ولا شك أن هذه شروط متأكدة، بل لا بد مع ذلك من الإصلاح الذي يعني أداءَ الحقوق إلى أصحابها، والإكثارَ من عمل الخير والبر، وأن يجعلَ في مقابل كلّ ذنب عملًا من أعمال الطاعات التي يكون بها تزكية النفس وطهارة القلب ونظافة الضمير وصلاح المجتمع، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام:48] ، وفي نفس السورة سورة الأنعام: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِئَايَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام:54] .