فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 9994

وهكذا أرَى أن مفهومَ الإصلاح في القرآن يرتبِط بالدين وتعاليمه، ويقوم على أساس الإيمان بالله ورسله واليومِ الآخر، وعلى العمل الصالح الذي تتحقق به في الخارج أحكامُ الشريعة التي يجب أن تسودَ بين الناس، فلا يكون الإنسانُ صالحًا إلا إذا أصلحَ نفسَه وزكاها، وأخرجها من ظلمات الشرك والشرّ إلى نور الإيمان وما يقتضيه من أخلاقٍ وفضائلَ، كما يتبيَّن أن ذلك المفهومَ لا يقف عند لفظِ الصلاح أو الإصلاح، وإنما يتناول الأوامرَ الشرعية كلَّها، وكلَّ ما دعا إليه الشرع ورغَّب فيه ووعد فاعلَه ثوابًا جزيلًا، كما يتبيَّن كذلك أنَّ القرآنَ قدَّم بعضَ قضايا الإصلاح الاجتماعي كما أشرنا، وسماها إصلاحًا لما يجب عملُه من أجل توحيد صفوف المسلمين والقضاء على الخلافات التي قد تنشأ بينهم إلى آخره.

ومن شأنِ خطيبِ الجمعةِ العارفِ بمقاصد الشريعة والمطَّلع على أسرارها أن يستمدَّ من هذا المفهوم العام الشامل للإصلاح الاجتماعي في الإسلام، ويعمل على نشره وتقوية معناه في النفوس، ويجعل ذلك دعوتَه التي يعلنها من منبره إلى الناس كلَّ أسبوع، على حد قوله سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33] .

تاريخ المسلمين في الإصلاح:

لديَّ فقرة قد أتجاوزها تتعلَّق بإشارة إلى شيء موجز من تاريخ المسلمين في الإصلاح، لعلِّي أتجاوزها حفاظًا على وقتكم. أنتقل إلى المنهج الإصلاحي لخطبة الجمعة.

المنهج الإصلاحي لخطبة الجمعة:

إن الإصلاحَ كما سبق أمرٌ أساس في الدين، يتناول جميع الجوانب التي يتحقق بها صلاحُ الأمة ورقيّها وتقدّمها وأمنها، ولخطبة الجمعة لا شك دورٌ في تحقيق ذلك الإصلاح وتبليغ رسالته والحضِّ عليه وتذليل الصعاب النفسية والاجتماعية التي تعطِّله أو تعوقه أو تخمد جوذتَه.

وإذا كان هذا هو دور الخطبة، وكان همُّ الخطباء ترسيخَ مفهوم الإصلاح وتعميقَ الشعور به والتغلّبَ على معوِّقاته فإنه يحسنُ بحثُ هذا الدور من حيث مؤهلات الخطيب النفسية والعلمية والمنهجية، ومن حيث الواقعُ الذي يعيشه المسلمون، ومن حيث أنواعُ المشكلات المطروحة التي ينبغي أن تعطَى لها الأولويَة في خطبة الجمعة، وسوف يتمّ تناول هذه القضايا بالبحث في مؤهلات الخطيب، وبحث منهج خطبة الجمعة.

مؤهلات الخطيب:

قد لا أقف أيضًا طويلًا عند مؤهلات الخطيب لأنها غالبًا معروفة، لكن هناك تقسيمٌ ظريف ذكره بعضُ الكاتبين، أشير إليه وقد لا يكون بالضرورة أن محدثَكم مرتضيه، لكنّه على كل حال قابلٌ للنظر، وهو تقسيم يفتح الآفاقَ في النظر والتأمل.

فيقسم بعضُ الكاتبين خطباءَ الجمعة على نوعين: خطيبٌ داعية، وخطيب واعظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت