فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فالخطيب الداعية عنده هو الخطيبُ ذو الثقافةِ الواسعة، يحمل همومَ عصره، ويعرف أوضاعَ مجتمعه، ويجعل هدفَه إصلاحَ المجتمع، يستمدّ تعاليمَه من كتاب الله وسنة نبيه محمد . ومن شأنِ هذا الخطيبِ، بمعنى المؤهلات لهذا الخطيب حتى يكون داعية ـ لأن حسب رأي بعض هؤلاء الكاتبين أن الداعية أرقى من الخطيب الواعظ ـ فيكون عالمًا، يعرف الإسلامَ معرفةً جيدة، قرأ القرآنَ وحفظَه، واطَّلع على السنة، وميَّز صحيحها وحسنها وضعيفَها، نال حظَّهُ من المعرفة بأحكام الإسلام، ميَّز بين الحلال والحرام والمكروه والمباح، عرف معرفةً حسنة من تاريخ الإسلام وتاريخ بلاده وأهله وتاريخ العالم، ليتمكَّن من استخلاص العظات والعبر من مصارع الأمم وأوضاعها، كذلك يعرف من التاريخ قضايا الديانات وتقلّبَها عبرَ العصور، ولما في هذه المعرفة من فوائد وعظات ولا سيما أن القرآنَ الكريم نبَّه إلى هذا من حيث النظرُ في تاريخ الأمم وأحوالها كما في قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم:9] . والخطيب الداعية ـ على هذا التقسيم ـ يستطيع بمعرفة التاريخ والأمم أن يدحَضَ أقوال المتطاولين التي تطعَن في الإسلام وحضارته، أو تدَّعي أن الإسلامَ لم يحكم الحياة ولم يكن له تأثير في تاريخ الشعوب، وبذلك لا ينساق مع الدعاوى القائلة بأنه ليس في الإسلام مشروعٌ إصلاحي، أو لم يكن للمسلمين كذلك مشروعٌ إصلاحي. ومعرفةُ الخطيب الداعيةِ بالتاريخ ستمكِّنه من معرفة الفَرق بين الجاهلية والإسلام، وكيفَ غيَّر الإسلام أوضاعَ الجاهلية، وجاء بإصلاح عظيم في مجالات التشريع والأخلاق والعبادة والعقيدة. ومن شأن هذا الخطيب كذلك أن يكون له إلمامٌ جيِّد بعلوم عصره ولا سيما في عصرنا الحاضر أيضًا، مما يعطيه قاعدة مهمَّة لإقناع مستمعيه بحديثه، مما يحضّ مستمعي خطبه إلى حسن الاستجابة لما يقول، ويكشِف أيضًا أخطاءَ ـ ولا سيما في عصرنا الحاضر ـ دعاةِ التوجهات المادية ممن ينكرون الأديانَ أو يقلِّلون أو يحجمون ـ إن صح التعبير ـ من شأن ديننا بخاصة لأنه دين ودنيا، وهو دين ودولة.
أما الخطيبُ الواعظ حسبَ التقسيم فهو يكون أقلَّ تأهيلًا ممن سبقَه، فهو رجلٌ له حظّه من الفِقه والمعرفةِ بالكتاب والسنة، ولهُ حظّ من العربية، وهو يؤدّي مهمَّته في نطاق علمه ومعرفته، ويُنتفع به ولكن مجال انتشار خطابته أقلّ من صاحبه، وربما تصدُر منه أخطاء ترجع إلى عدمِ إدراكه لواقعه إدراكًا جيّدًا وعدم معرفته بمكامن الأدواء الاجتماعية، وقد يصدر منه خلطٌ غير متعمَّد في بعض الاستشهادات.
على كلّ حال هذا نوع من التقسيم كما قلت لكم: قد لا أرتضيه، أو ليس لمحدثكم منه موقف على كل حال، ولكنه يعطي ـ لا شكَّ ـ أنّ الخطباء ليسوا على درجة واحدة، وهذا شأنُ الله عز وجل وسنتُه في الناس، بل حتى الخطباء المتميّزون ليسوا على درجة واحدة في اهتماماتهم بأنواعِ العلوم والمعارف والمواضيع وحُسن طرقها وحسْن تقديمها للناس.
منهج خطبة الجمعة:
أما منهج خطبة الجمعة فقد راعى الشرع فيه حالةَ المكلف، ولا شكّ أن الغرض الأساس منها هو التذكير والوعظ والتنبيه، إذ من المفروض أن المسلمَ محتاجٌ إلى التذكير بآيات الله عز وجل وأحاديث رسوله ليستقيم حاله وليزدادَ من الخير وليرتدعَ عن الغي ويقوّم اعوجاجه ويبادر للاستجابة، على حدّ قوله سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51] ، وقال سبحانه: {فَبَشّرْ عِبَادِ % الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ} [الزمر:17، 18] .
ومن هذا شرعَ الإسلام في الخطبة عدمَ التطويل حتى يعقلَ السامع كلامَ خطيبه، وتعظمَ هيبةُ الدين في النفوس، وتُجمع همة الحاضرين لأداء الصلاة بروح خاشعة وألباب واعية وقلوب داعية.
ولا مانع أن نذكر، ولا ينبغي أن يخلو هذا المجلس من قبس النبوة، فنذكِّر بشيء من هديِ نبينا محمد في خطبة الجمعة.
فعن الحكم بن حزن الكلفي رضي الله عنه قال: قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سابع سبعة أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أيامًا شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول الله متوكئًا على قوس ـ أو قال: على عصا ـ فحمد الله وأثنى عليه كلماتٍ خفيفات طيباتٍ مباركات، ثم قال: (( أيها الناس، إنكم لن تفعلوا ولن تطيقوا كلّ ما أمرتم، ولكن سدّدوا وأبشروا ) )رواه أحمد وأبو داود.