فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 9994

وعن عمّار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة ) )رواه أحمد ومسلم.

والنووي رحمه الله يبين معنى إطالة الصلاة وقصر الخطبة فيقول في معنى إطالة الصلاة في الحديث:"أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلا يشقّ على المأمومين".

ولا شكَّ أنَّ مثلَ هذه الآدابِ في الخطبة هي آدابٌ تؤدّي إلى حصول الفائدة من الخطبة، وذلك بالعدول عن التطويل المملّ إلى الاختصار غير المخل، وخير الكلام ما قلّ ودلّ، وهو أسلوب تنفردُ به الخطبة عن المحاضرة، إذ الخطبة موجَّهة لعموم الناس على اختلاف طبقاتهم، وأيضًا ليسوا في [المحاضرة] ملزَمين بوجوب الإنصات ولا بلزوم الخصور، وإنما المحاضرة اختيارية، بينما الخطبة يجب أن ينصتوا، فلما وجَب عليهم الحضورُ والإنصات خوطب الإمامُ بأن يخفّف عليهم.

فالخطبة تقوم على الإيجاز وعلى الفكرة السريعة الخطابية والإقناع ببراهين الوحي من الكتاب والسنة، وهي أشدّ تأثيرًا وحكمة وحكمًا من براهين المنطق المجرّد.

والخطيبُ في هذا الباب لا يستغني عن أمرين هما الإخلاص والتعرّف على واقع الناس.

فمن شأن الإخلاص أن يجعله صادقًا، ويحثّه على تبليغ الرسالة وهداية الخلق إلى الله، ويمتّعه بالرضا النفسي الذي يهوّن عليه مجابهة الشدائد ومكابدةَ إعراض الناس عن عظاته وتوجيهاته، ويجعله مصرًا على الاستمرار حتى يجدَ من يستمع إليه.

ومن شأن معرفته بالواقع أن يبني دعوتَه للإصلاح على الجوانب الواقعية المتمثّلة في حياة الناس العامّة، وبذلك يقتصد في الجهود التي يمكن صرفُها في أمور لا صلةَ لها بالحياة، ويقتصر على ما تمسّ إليه الحاجة وتعظم به البلوى.

أشير بإيجاز إلى جوانب الإصلاح الاجتماعي في خطبة الجمعة.

جوانب الإصلاح الاجتماعي في خطبة الجمعة:

يُمكن أن يكون ذلك من خلالِ عنصرين كبيرَين:

الجانب الأول: الغزو الخارجي:

ويتعلَّق بالعوامل الخارجيَّة أو المؤثّرات الخارجيّة، وهي ـ خاصة وأنا أتكلم عن عصرنا الحاضر ـ عوامل التأثر بالغرب والنزعة العلمانية التي تطبع أجهزةَ الغرب وفكرَه، والتي تصدَّر إلى المسلمين في شكل مذاهب وتياراتٍ سرعان ما تتلقفها جماعات وفئات ترى فيها حقًا أو الحق، وترى أنَّ ما عادها إما باطل رجعي، وقد تتعصَّب لها وتحاوِل فرضَها بجميع الوسائل، فهذا جانب.

الجانب الثاني الوضعية الداخلية للمسلمين:

الجانب الثاني الوضعية الداخلية للمسلمين والتي ينبغي إصلاحها في تشعباتها الكثيرة أخذًا بكتاب الله وسنة نبيه محمد ، والمصالح الشرعية المرعية المعتبرة.

ومن الإصلاح أن نفهمَ القضايا الداخلية فهما صالحًا، حتى لا ينحرف بنا التفكر إلى أن نظنّ ما هو صالح فاسدًا، فليس من الإصلاح هدمُ كل شيء لإقامة بناءٍ جديد، ربما يظهر في النهاية بعد التجارب أنه فاسد بدوره.

فما يتعلق بالنزعة الخارجية يمكن أن تعالج من عدة أمور، منها: إظهار أن الإسلام مختلف عن الديانات الأخرى بأصوله ونظامه وتشريعه وأخلاقه، لأن العلمانية نبعت ـ كما هو معلوم ـ من الفهم لطبيعة الدين النصراني المحرَّف، فخرجوا عن الدّين وظنّوا أن كلّ دين لا يصلح للحياة، فمهمٌّ للخطيب أن يتكلّم في هذا الباب عن الإسلام، ويبيّن حقيقتَه وصلاحَه لكلّ زمان ومكان، وأنه دين ودنيا. ثم أيضًا كذلك التركيز على الإيمان وترسيخ العقيدة وتقويتها في النفوس. وكذلك أيضًا الاهتمامُ بسيرة النبي وخصائصه عليه الصلاة والسلام وحقوقه وجهاده وشأنه كله عليه الصلاة والسلام، وحينما أمرنا ربُّنا سبحانه وتعالى بالاقتداء بنبينا محمد حفظَ لنا سيرتَه، فسيرتُه محفوظة، ولهذا مهمٌّ جدًا للخطيب أن يعتنيَ بهذا؛ لأنّ هذا له تأثيرُه العظيم والعجيب على المسلمين، لأنّ كلّ المسلمين يحبّون نبيهم محمدًا ، ويشعرون بالراحة والانفتاح والسرور حينما يسمعون سيرةَ نبيهم محمد ، السيرة الصحيحة.

كذلك أيضًا مما يعالَج في هذا المقام فيما يتعلق بالغزو الخارجي الدعوةُ إلى وحدة المسلمين والتضامن الإسلامي كذلك، وكذلك أيضًا تسليط الأضواء على بعض القضايا المثارة مثل قضية العدل وحقوق الإنسان ونحو ذلك.

كذلك أيضًا ـ وهذه قضية مهمة جدًا ـ التأكيدُ على أن الإسلام يغني عن غيره، وأن المسلمين ليسوا في حاجة إلى استجلاب مذاهب، وإنما هم في حاجة إلى الاستفادة لا شك من التقدم العلمي والتقني، وهم لا شك أيضًا في حاجة إلى استغلال خيراتهم والعمل على وحدة صفوفهم.

هذا بجملة ما يتعلق بمواجهة الغزو الخارجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت