فهرس الكتاب

الصفحة 6268 من 9994

وهذا الطريق يجعل قائل ذلك يوسف لنفسه من غير تذكير مذكِّر، ولكن تذكر ما كان سلف منه في ذلك.

قال ابن جرير في «تفسيره» (7/263) (ح19451) :

حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين هو قول يوسف لمليكه حين أراه اللَّه عذره، فذكر أنه هم بها وهمت به، فقال يوسف: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء.

التحقيق لهذا الطريق:

أولاً: محمد بن سعد: هو محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة أبو جعفر العوفي من بني عوف بن سعد - فخذ - من بني عمرو بن عياذ بن يشكر بن بكر بن قاسط بن وهنب بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. قاله الخطيب في «تاريخ بغداد» (5/322) .

قلت: ذكرت اسمه ونسبه حتى أستطيع أن أقف على اسم أبيه وجده وجد أبيه.

1-محمد بن سعد قال الخطيب فيه: كان لينًا في الحديث.

2-أبوه: سعد بن محمد بن الحسن العوفي أورده الحافظ في «اللسان» (3/24) ترجمة رقم (3650) وقال: روى عن أبيه وعمه الحسين بن الحسن، وروى عنه ابنه محمد وغيره، قال أحمد فيه: جهمي، قال: ولم يكن هذا أيضًا ممن يستاهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك. حكاه الخطيب. اهـ.

3-عم أبيه: هو الحسين بن الحسن بن عطية أبو عبد اللَّه العوفي، أورده ابن حبان في «المجروحين» (1/246) وقال: منكر الحديث، يروي عن الأعمش وغيره أشياء لا يتابع عليها كأنه كان يقلبها، وربما رفع المراسيل وأسند الموقوفات، ولا يجوز الاحتجاج به.

4-جد أبيه: الحسن بن عطية أورده الذهبي في «الميزان» (1/503) تراجم (1889) وقال فيه: «الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه، وعنه ابناه حسين ومحمد، قال البخاري: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: ضعيف» . اهـ.

5-جد جده: عطية بن سعد بن جنادة العوفي، أورده ابن حبان في «المجروحين» (2/176) وقال: يروي عن أبي سعيد الخدري، فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكذا، فيحفظه وكنَّاه أبا سعيد ويروي عنه فإذا قيل له: من حدثك بهذا ؟ فيقول: حدثني أبو سعيد؛ فيتوهمون أنه أبو سعيد الخدري، وإنما أراد به الكلبي، فلا يحل الاحتجاج به ولا كتابة حديثه؛ إلا على جهة التعجب. اهـ.

قلت: فهذا الطريق مسلسل بالعوفيين وهم ضعفاء كما بينا، وهو إسناد ساقط لا يساوي عند أهل الحديث شيئًا، وهذه السلسلة - سلسلة العوفيين - فهي سلسلة العجب، وبهذا تصبح القصة بهذا الطريق واهية وتصبح جميع طرق القصة لا أصل لها عن النبي صلى الله عليه وسلم، والطرق موقوفة أو مقطوعة سلاسلها: إما سلسلة مضطربة، أو سلسلة عجب، أو سلسلة لا يخلو رواتها من كذابين أو متروكين أو مدلسين، فهي طرق تزيد القصة وهنًا على وهن.

رابعًا: قرائن تدل على أن القصة واهية:

-قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (15/148- 150) : يوسف عليه الصلاة والسلام لم يذكر اللَّه تعالى عنه في القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه، أو يستغفر منه أصلاً، وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه الفاحشة، ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع منه بعض مقدماتها، مثل ما يذكرون أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الخاتن ونحو هذا، وما ينقلونه في ذلك ليس هو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا مستند لهم فيه إلا النقل عن بعض أهل الكتاب، وقد عرف كلام اليهود في الأنبياء وغضهم منهم، كما قالوا في سليمان ما قالوا، وفي داود ما قالوا، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه، والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف عليه السلام قد أذنب لكان إما مصرًا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعين أن يكون تائبًا، والله لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء، فدل ذلك على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة والمساعي المشكورة، كما أخبر اللَّه عنه بقوله تعالى: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.

وإذا كان الأمر في يوسف كذلك: كان ما ذكر من قوله: إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إنما يناسب حال امرأة العزيز، لا يناسب حال يوسف، فإضافة الذنوب إلى يوسف في هذه القضية فرية على الكتاب والرسول، وفيه تحريف للكلم عن مواضعه، وفيه الاغتياب لنبي كريم، وقول الباطل فيه بلا دليل، ونسبته إلى ما نزهه اللَّه منه، وغير مستبعد أن يكون أصل هذا من اليهود أهل البهت الذين كانوا يرمون موسى بما برأه اللَّه منه، فكيف بغيره من الأنبياء ؟ وقد تلقى نقلهم من أحسن به الظن وجعل تفسير القرآن تابعًا لهذا الاعتقاد. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت