فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
حتى دخل مدين ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونه امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل [القصص:23-28] .
وقضى موسى أبر الأجلين وأوفاهما، ثم استأذن صهره في الرجوع إلى مصر! مصر التي قتل فيها رجلا بالأمس! مصر التي خرج منها خائفا يترقب! ترى هل نسى ما كان منه؟ هل نسى أن لهم عنده ثأرا؟ إنها إرادة الله! إنه القدر الذي ذكّر به الله موسى حين قال له: فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى [طه:40] .
وفي الطريق اشتد البرد، وفقد النار، وضل الطريق، وبينما هو في هذه الظروف القاسية إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى [طه:10] .
فأتى موسى هذه النار فإذا هي نور عظيم، وعندها خير كثير: فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [طه:11-14] .
وبهذا نبئ موسى، وأرسل حين قال له ربه: اذهب إلى فرعون إنه طغى [طه:24] .
وموسى يعرف من هو فرعون فسأل الله العون: قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي [طه:25-30] .
فقال الله له: اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكرى اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [طه:42-44] .
فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم، ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة، ومن شأنه أن يوقظ القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان.
وإذا كان موسى هو النبي المعصوم المؤيد بقوى السماء مأمورا بالقول اللين، فما بال غير المعصومين وغير المؤيدين يغلظون القول، ويقسون على المدعووين، أهم خير أم موسى؟ وهل من يدعونهم شر من فرعون؟
فرفقا بالناس معشر الدعاة! فـ (( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه ) )، و (( من يحرم الرفق فقد حرم الخير كله ) ).
أما قرأتم وسمعتم قول الله تعالى لنبينا محمد: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران:159] .
يا معشر الدعاة! إن الكلمة الطيبة تكثر أتباعكم، وإن الكلمة النابية تفّرقهم من حولكم، فكم من عدو لدود صار صديقا حميما بكلمة طيبة؟! وكم من صديق حميم صار عدوا لدودا بكلمة نابية؟! فلينوا أقوالكم، واخفضوا لأتباعكم أجنحتكم، ويسروا ولا تعسروا، ولا تنفروا.
ويأخذ موسى أخاه هارون ويتوجهان إلى فرعون، ويبدأ موسى الكلام فيقول لفرعون: إنا رسول رب العالمين [الشعراء:16] .
هكذا من أول لحظة، ليشعر فرعون أنه ليس ربا ولا إلها، وأنه مربوب لرب العالمين الذي يجب أن يتخذه إلها يعبده.
ويعجب فرعون وهو يرى موسى يواجهه بهذه الدعوى الضخمة: إنا رسول رب العالمين ويطلب إليه ذلك الطلب الضخم: أن أرسل معنا بني إسرائيل [الشعراء:17] .
فإن آخر عهده بموسى أنه كان ربيبا في قصره منذ أن التقطوا تابوته، وأنه هرب بعد قتله للقبطي. فما أبعد المسافة بين آخر عهد فرعون بموسى إذن وهذه الدعوى الضخمة التي يواجهه بها بعد عشر سنين، ومن ثم بدأ فرعون متهكما مستهزئا مستعجبا: ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين [الشعراء:18-19] .
فهل هذا جزاء التربية والكرامة التي لقيتها عندنا؟ بأن تأتي اليوم لتخالف ديننا ولتخرج على الملك الذي نشأت في بيته، وتدعو إلى إله غيره؟! ولقد قتلت نفسا بالأمس وأنت من الكافرين برب العالمين الذي تقول به اليوم؟! فما الذي حدث؟! ويرد موسى في ثبات وثقة وطلاقة لسان: قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل [الشعراء:20-22] .
وعندئذ عدل فرعون عن هذه المسألة، وراح يسأله عن صميم دعواه، ولكن في تجاهل وهزء وسوء أدب في حق الله الكريم.
قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب أبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشيء مبين [الشعراء:23-30] .