فهرس الكتاب

الصفحة 6298 من 9994

فسقط في يده، ورأى أنه لابد أن يستمع لبرهانه، فطلب منه أن يأتي بالدليل: قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين [الشعراء:30-33] .

وأحس فرعون بضخامة المعجزة وقوتها، فأسرع يقاومها ويدفعها وهو يحس ضعف موقفه، ويكاد يتملق الملأ من حوله، ويهيج مخاوفهم من موسى وقوله، ليغطي على وقع المعجزة المزلزلة: قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون [الشعراء:34-35] .

فأشاروا عليه أن يأخذ من موسى موعدا يجتمع فيه السحرة من كل مكان، ويقابلون سحر موسى بسحرهم، فمن غلب اتبعوه، والأمر مفصول فيه أن السحرة هم الغالبون، فخيب الله سعيهم، وأبطل كيدهم، وجعل نبيه موسى هو الأعلى: فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون [الشعراء:46-48] .

فجن جنون فرعون وأخذ يهدد ويتوعد، ولكن بشاشة الإيمان إذا خالطت القلب لم يعبأ بأية تهديد، ولذا قال المؤمنون كلمتهم بكل جرأة وثبات: قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون [الشعراء:50] .

لا ضير في تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، لا ضير في التصليب والتعذيب، لا ضير في الموت والاستشهاد، لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون، وليكن في هذه الأرض ما يكون، فالمطمع الذي نتعلق به ونرجوه أن يغفر لنا ربنا خطايانا جزاء أن كنا أول المؤمنين.

وهنا تدخل الملأ أهل الأهواء والمصالح والمطامع، تدخلوا ليهيجوا فرعون على موسى ومن معه، ويخوفونه عاقبة التهاون في أمرهم، فطمأنهم فرعون بأنه سيحكم القبضة، ويعيد العمل بقانون الطوارئ، فيقتل الذكران ويستحي النساء.

وأخذ موسى يعظ قومه وينصحهم بالصبر حتى يأتي أمر الله، فـ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون [الأعراف:129] .

ومضى فرعون وملؤه في جبروتهم، ومضى موسى وقومه يتحملون العذاب ويرجعون فرج الله، وعندئذ تدخلت القدرة الإلهية فأخذت آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون، ثم جاءت الإنذارات تترا فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين [الأعراف:133] .

ثم أعلنوها صريحة: وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين [الأعراف:132] .

وأدرك موسى أن لا فائدة ترجى من القوم، وأنهم مصرون على الكفر والفساد في الأرض فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون [الدخان:22] .

فأوحى الله إليه أن فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون [الدخان:23] .

فإذا عبرت أنت ومن معك فاترك البحر رهوا أي ساكنا كما هو إغراء لفرعون بالعبور، فإنهم قوم مغرقون.

وفي الليلة الموعودة خرج موسى ببني إسرائيل، وعلم فرعون بخروجهم فجمع الجموع وخرج في طلبهم فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فكان كل فرق كالطود العظيم [الشعراء:60-63] .

أي كالجبل العظيم، وصار البحر إثني عشر طريقا لكل سبط طريق، وأمر الله الريح فنشفت أرضه، وهذا هو قوله تعالى: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا [طه:77] .

وتخرّق الماء بين الطريق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم غيرهم فيطمئنوا عليهم.

وجاوز بنوا إسرائيل، فلما خرج آخرهم كان فرعون قد انتهى إلى شاطئ البحر، فوقف مترددا أيعبر خلفهم؟ أم يرجع وقد كُفيهم؟ فجاء جبريل عليه السلام على فرس فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها واقتحم جبريل فاقتحم فرعون وراءه، وميكائيل في ساقتهم، لا يترك منهم أحدا إلا أقحمه، حتى إذا أدركوا في البحر جميعا جاءهم الموج من كل مكان وجعل يرفعهم ويخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وجاءته سكرة الموت فنادى: لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين [يونس:90-92] .

فقيل له: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون [يونس:92] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حل البحر فأدسّه في فيّ فرعون، مخافة أن تدركه الرحمة ) ).

وهكذا أنجى الله موسى والمسلمين، وأغرق فرعون والكافرين: وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا [الأعراف:137] .

إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [الشعراء:67-68] .

والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف:8] .

فهنيئا للصابرين: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين [البقرة:250] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت