فهرس الكتاب

الصفحة 6355 من 9994

وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما مررنا بسيرته ، رأينا صدق اعتماده وتوكله على الله ، وعظيم تضرعه والتجائه إلى مولاه . أرأيته وهو قافل من الطائف بعد أن لقي ما لقي من الأذى ما الذي صنعه ؟ ما الذي أراد به تفريج همه ؟ ما الذي سعى إليه لينفس من كربه ؟ من الذي توجه إليه ليذهب حزنه ؟ أليس قد لجأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الله - عز وجل - وهو يناديه في تضرع خاشع: ( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلا من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي ... ) فينزاح الهم والكرب ، ويزول الحزن ، ويقوى اليقين ، ويعظم الإيمان ، وتنقشع الغمة ، وتعلو العزيمة ، ويكون المرء مع كل ضعفه المادي ، أعظم قوة من كل قوى الأرض بإذن الله - عز وجل - ، ويوم واجه النبي - صلى الله عليه وسلم - أضعاف من معه من المؤمنين في جيش قريش ،في يوم بدر توجه - عليه الصلاة والسلام - إلى الله - جل وعلا -: ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض.. ) فما زال يهتف بربه ماداً يديه ، مستقبلاً القبلة حتى سقط رداءه من منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه ، فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه ، فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك إنه سينجز لك ما وعدك .

أليس هذا التجاء في أعظم وقت ، وفي أحرج موقف ، وعند التقاء الصفوف ، وعند مواجهة الخطوب ، وعند كثرة الأعداء ، وفي مواجهة قوى الأرض .. يستعين النبي - صلى الله عليه وسلم - برب الأرض والسماء ، أما رأيناه في الأحزاب يوم تجمع الأعداء من كل حدب وصوب .. اختلفت نواياهم ، وتنوعت مقاصدهم ، لكنهم أحاطوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأهل الإسلام ، في مدينة المصطفى - عليه الصلاة والسلام - . وذكر أهل السير أن عدتهم كانت عشرة آلاف رجل ، وذكر بعضهم أن هذا العدد كان بعدد أهل المدينة كلها رجالاً ونساء وأطفالاً ، فأي شيء كان ؟ وأي خطب نال من يقين القلوب ، أو نال من ثبات الأقدام ، أو نال من همة وعزيمة أهل الإيمان ؟ كلا ! لقد كبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبشّر ، في شدة المحنة وفي عزّ تلك المصيبة.

وماذا كانت النتيجة ؟ { فرد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خير وكفى الله المؤمنون القتال } .

ويوم توجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر لقتال فلول اليهود المتجمعة فيها ، إنما سار باسم الله ، وإنما استعان بقوة الله ، وإنما صاح وهو مقدم عليهم ، ومقبل على ديارهم .. ( الله أكبر .. الله أكبر ، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) .

هكذا يستصحب المؤمن قوة الله ، هكذا يكون معه دائماً صدق الالتجاء إلى الله ، هكذا يواجه كل خطب ، ينتصر بإذن الله - سبحانه وتعالى - .

في كل مواجهة الصبر زاد المؤمنين ، والنصر عقبى الصابرين ، والقادر الجبار نعم العون إن عز المعين ، كم عبرة في الأولين وعبرة في الآخرين لقيت عناد معاندين ، وغفلة من غافلين ؛ فإذا علا صوت النذير فساء صباح المنذرين .

فالتجئوا إلى الله - سبحانه وتعالى - .. علقوا به القلوب .. أخلصوا له التوجه والقصد .. فرغوا قلوبكم ونفوسكم من كل اعتماد أو توكل على غيره .. { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } .

لابد من أوبة صادقة ، وإنابة مخلصة ، والتجاء حقيقي حار مخلص لله - سبحانه وتعالى - ، ولنهتف ولنردد من أعماق قلوبنا: { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } ولنكن حقيقة على مقتضى الإيمان في الارتباط بالله ، والتخلي عن كل ما سواه { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد } .

إنما البشرى لمن يكون راجعٌ إلى ربه ومولاه ، واثقٌ بنصره وتفريجه لهمه وكربه - بإذن الله - ، وهكذا كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا .. هكذا كان ينبهنا ، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: ( لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ) .

وفي حديث أسماء بنت عميس عند أبي داود بسند حسن ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاطبها فقال: ألا أعلمكِ كلمات تقوليهن عند الكرب ! قالت: بلى يا رسول الله ، فقال لها: قولي الله ربي ولا أشرك به شيئا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت