فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومعنى هذه النصوص العظيمة ، والأقوال والأدعية المأثورة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهر بيّن ؛ لأن الالتجاء إنما يكون للملتجئ الحقيقي النافع ، وهو الله - سبحانه وتعالى - ، فهو - جل وعلا - العظيم الحليم ، وهو رب العرش العظيم ، وهو رب السماوات والأرض ، هو الذي بيده كل شيء ، وهو التي تنفذ مشيئته في كل شيء ، وهو الذي تنتصر قدرته على كل شيء - سبحانه وتعالى - ، ولذلك ينبغي لنا أن نحرر هذا الأمر في واقع حياتنا ، وهو صدق التجائنا إلى ربنا ، ولا يكون ذلك كاملاً ، ولا يكون عظيماً ، ولا يكون دائماً ، إلا بصدق اليقين بالله - سبحانه وتعالى - ، والإيمان به - جل وعلا - ، والإيمان بقضائه وقدره ، ثم الرضا والتسليم لما يجري به قضاءه وقدره - جل وعلا - .
ينبغي أن نكون على يقين أن الأمر كله بيد الله ، وينبغي أن نكون على يقين أن النصر من عند الله ، وينبغي أن نعظم يقيننا بأن القوة كلها لله ، وأن العزة كلها لله .. ينبغي ألا يخالط نفوسنا شيء من ريب أو شك ، أو ضعف أو خذلان ، أو ذل لغير الله - سبحانه وتعالى - ، ولقد كان ابن عباس رديف الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور العظيم ، حينما بيّن له كيف ينبغي أن تكون حياته في ظلال الإيمان ؟ وكيف ينبغي أن يواجه الخطوب مستنداً إلى اليقين بالله سبحانه وتعالى: ( يا بني إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك ... تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) .
وكما بيّن - عليه الصلاة والسلام - في هذه الوصية العظيمة: ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ) .
وكما بيّن - عليه الصلاة والسلام - في رواية أخرى لهذا الحديث: ( وأعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ) .
من كان هذا يقينه ، فأي شيء يرهبه ؟ ومن كان هذا إيمانه ، فأي شيء يخيفه ؟ من كان هذا هو معتقده ، فأي قوة تقف في وجهه ؟ إنها قضايا أكرمنا الله - عز وجل - بها ، وآتانا إياها ، ولكننا نغفل عنها ، ولا نرجع إليها ، ولا نستوثق منها ، ولا نعيدها عظيمة كاملة كما ينبغي أن تكون في النفوس والقلوب ، ومن ثم تضطرب أحوالنا ، وتتعارض آرائنا ، وتضعف وتجبن نفوسنا ، وتتراجع وتتقهقر صفوفنا ، وقد نعطي الدنية في ديننا ، وقد يكون لنا من أحوالنا ومواقفنا ما لا يتطابق مع إيماننا ومعتقدنا ، وذلك كله من أسباب الضعف والذل والهوان
عندما لا يكون يقيننا بالله عظيماً ، ولا يكون التجاؤنا إليه صادقاً ، ومن أدرك ذلك أدرك أن من ملئ قلبه بالإيمان واليقين ، وصار دائم الالتجاء إلى الله - سبحانه وتعالى - لم يكن عنده من حاله ما يسؤه أو يضره ، أو يضعفه ، ويكون به الخذلان .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"من ملأ قلبه من الرضا بالقدر ، ملأ الله صدره غِنىً وأمناً وقناعة ، وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، ومن فاته حظه من الرضا امتلأ قلبه بضد ذلك ، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه".
ولذلك قال بعض الصالحين كلاماً نفيساً نحن في أمسّ الحاجة إليه:"ارض عن الله في جميع ما يفعله بك ؛ فإنه ما منعك إلا ليعطيك ، ولا ابتلاك إلا ليعافيك ، ولا أمرضك إلا ليشفيك ، ولا أماتك إلا ليحييك ، فإياك أن تفارق الرضا عنه فتسقط من عينه".
إذا اشتدت البلوى تخفف بالرضا عن الله قد فاز الرضي المراقب
فكم من نعمة مقرونة ببلية على الناس تخفى والبلايا مواهب .
وكما قال القائل:
يدري القضاء وفيه الخير نافلة لمؤمن واثق بالله لا لاهِ
إن جاءه فرح أو نابه ترح في الحالتين يقول الحمد للهِ .
ولا يكون نوع من الثبات ، ولا ظهور للشجاعة ، ولا بروز للحمية ، إلا إذا ملأ الإيمان القلب وانسكب اليقين في النفس وكان الرضا بقضاء الله وقدره والإيمان به عظيماً فإن ذلك هو أعظم قوة لا يكون معها خوف ولا يخالطها جبن بحال من الأحوال ، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في بيان ذلك:"الذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله ، فمن سلّم لله واستسلم له ، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له ، لم يبقى لخوف المخلوقين في قلبه موضع ؛ فإن نفسه التي يخاف عليها سلّمها إلى وليّها ومولاها ، وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها ، وأن ما كتب لها لابد أن يصيبها ، فلا معنى للخوف من غير الله بوجه".
وفي التسليم أيضاً لطيفة أخرى ، وهي أنه إذا سلّم لله فقد أودع نفسه عنده وأحرزها في حرزه ، وجعلها تحت كنفه لا تنالها يد عدو عاد ، ولا بغي باغٍ عاتٍ ، وكما قال الشجاع علي رضي الله عنه:
أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أو يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا يندي الحذر .