فهرس الكتاب

الصفحة 6357 من 9994

وكما كان شيخ الإسلام ابن تيميه يقول في مواجهة ما أحاط به من الخطوب وفي موقفه إزاء ما حل به من الكروب:"ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحلت فهي معي .. أنا حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وخروجي من بلدي سياحة".

من ملك هذا اليقين واجه الدنيا كلها غير عابئ بها بإذن الله لا يكون عنده خوف إلا من الله .

كأن الجبان يرى بأنه سيقتل قبل انقضاء الأجل

وقد تورد الحادثات الجبان ويسلم منها الشجاع البطل .

ولذلك ينبغي لنا أن ننتبه إلى هذين الأمرين ، ونحرص عل هذين المعنيّين: قوة يقين بالله ورضاءً بقضائه وقدره ، وصدق التجاء إليه وتضرعٌ إليه ، نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يفرج الكروب ، وأن ينفس الهموم وأن يزيح الغمة وأن يرفع الفتنة وأن يجعل لأهل الإيمان والإسلام مخرجاً ونصرا وأن يجعل لهم بذلك عزاً وفخراً .

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

إن ما ذكرته من صدق اليقين وإخلاص الالتجاء لله - سبحانه وتعالى - هو الذي يعين ويثبت ويقوي المؤمنين على مواجهة أعدائهم ، أمثلته ليست مقتصرة على سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، ولا هي محصورة على الأمثلة الظاهرة المعروفة .

في مواطن نصر المؤمنين ، في حطين أو في غير حطين بل هو إلى يوم الناس هذا ، تتجدد معالمه ، وتتأكد مناهجه ، واليوم ونحن - كما يقولون - نستذكر عام الانتفاضة في أرض فلسطين المسلمة في أرض الإسراء المقدسة في ظلال المسجد الأقصى ، ألسنا نرى أن إخواننا عندما فقدوا قوة الناس وإعانة الخلق ، لم يلتجئوا إلا إلى الله - سبحانه وتعالى - ، ولم يصدقوا إلا مع خالقهم ومولاهم - جل وعلا - ، فاستطاعوا أن يثبتوا على مدى تلك الأعوام المتعاقبة ، وعلى مدى ذلك العام الذي انصرم كاملاً بكل البغي العظيم ، والظلم الفادح والإجرام الذي ليس له حد ، ولا منتهى ، أليس قد قصفت وهدمت بيوتهم ؟ أليست قد أزهقت أرواحهم وسالت دمائهم ؟ أليس قد رُوّع أمنهم وسُلب عيشهم وحرموا من كل ما ينبغي أن يكون من حقوق الإنسان التي يدعيها الناس ؟ أليس كل ذلك قد حصل لهم واستخدمت كل أنواع الأسلحة المعروفة من الدبابات والطائرات والمدافع والصواريخ ؟ أليس هذا يمكن أن نطلق عليه إرهاب ؟ أم أن هناك تعريفات أخرى ، ومصطلحات مغايرة أليس اليهود - عليهم لعائن الله - الذين كانوا يبطشون ويتجبرون ويبغون ويظلمون - ، أليسوا هم الذين داسوا القوانين الدولية والقرارات الأممية ؟ أليسوا هم الذين ناصرتهم القوى العظمى ظاهراً وباطناً في المواقف السياسية ، وبالدعم المادي ، وبالعون العسكري ؟ أليسوا هم الذين غضّ العالم عنهم طرفه ، فلا يكاد يرى ، وأصمّ أذنه فلا يكاد يسمع ، وشلّ يده فلا يكاد يستطيع أن يفعل شيئاً ، وجعل نفسه في موقف المتفرج على هذه الجرائم ، وفي كل مرة يصاب أحدٌ من اليهود ، ومن غيرهم من الكفار تقوم الدنيا - كما يقال - ولا تقعد ،

ويكثر الصخب ولكننا - بحمد الله - عز وجل - رغم كل هذا البغي والظلم والعدوان ، وتغيير الموازيين ، وانتكاس العدالة ، وجور المحاكمة ، ورغم كل تلك القوة الباطشة ، والمؤازرة الظالمة ، نرى ثباتاً عظيماً ونرى في صفوف الأعداء من اليهود هلعاً ظاهراً ، وجبناً بيّناً ، وخوفاً مريعاً ، ونرى تفككاً في الصفوف ، ونرى اختلالاً ، ونرى كيف قد غُزوا في عقر دارهم ، وكيف قد أصيبوا في مؤسساتهم العسكرية ، من أي شيء وقع ذلك ؟ وممن حلّ بهم ذلك ؟ إنه ليس من جيوش دول مجاورة ! ولا دول عظيمة ! إنه ليس من قنابل ولا من دبابات ! إنه من الشباب والأطفال والصغار الذين لا يملكون سلاحاً سوى الأحجار ، والذين لا يملكون دعماً سوى الأصفار ، والذين لا يجدون شيئاً يواجهون به أعدائهم إلا قوة الواحد القهار - سبحانه وتعالى - ، إن الذي ينظر إلى ذلك يعلم حقيقة الأوضاع الراهنة ، وحقيقة الأحداث الجارية ، وحقيقة الموازين الجارية ، وحقيقة القضية الفاجرة والكذبة التي يكذب بها على الناس في كل آن ليُرى حينئذٍ أن الأمر - كما بينته آيات القرآن - وكما ذُكر في كل ما نعرف من أحداث سيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وتاريخ أهل الإيمان أنه صراع الحق والباطل صراع الإسلام وأعدائه وخصومه ، ولذلك من استمسك بإسلامه ويقينه ؛ فإنه قوي وإن لم يكن لديه سلاح - كما ترجم - ذلك إخواننا وأبنائنا وأطفالنا الذين ربما كانت مواقفهم كأنما تعرينا من كل فضيلة ، وكأنما تمسخنا في أعماق نفوسنا من كل رجولة ، لأن كثير من أبناء الأمة بشرقها وغربها ، أمة المليار أو أمة الألف مليون أو أمة العرب بمائتيها أو ثلاثمائة مليون ، كلهم لم يستطيعوا أن يصنعوا ، ولا أن يبرزوا ، ولا أن يظهروا ، ولا أن يقفوا ، ولا أن يواجهوا ، ولا أن يدحروا ، ولا أن ينتصروا كما انتصر أولئك العُزّل .

شاهد من شواهد صدق ما أخبرت به من صدق اليقين بالله - عز وجل - ، وصدق الالتجاء إلى الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت