فهرس الكتاب

الصفحة 6361 من 9994

وقال الواصف في وصفهم: (وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباباً، شباب مكتهلون في شبابهم، ثقال عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر إليهم في جوف الليل، منثنيةً أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة، بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلالهم بكلالهم، كلال ليلهم بكلال نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام، مستقلين لذلك في جنب الله، وهم موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، إذا رأوا سهام العدو فوقت ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وأبرقت الكتيبة وأرعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة، لوعيد الله، مضى الشاب منهم قدماً حتى تختلف رجلاه عن عنق فرسه، قد اختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه في الثرى، وأسرعت إليه سباع الارض، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كف قد بانت بمعصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده في جوف الليل لله، وكم من خد رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان [4] .

قال ابن كثير في ترجمة السلطان الزاهد المجاهد، نور الدين زنكي:"إن جماعة من العباد ممن يعتمد على قولهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعوهم يقولون أن القسيم ابن القسيم يعنون نور الدين له مع الله سر، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعوه، فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فيظفر علينا، قال: فهذا كلام الكفار في حقه" [5] .

جمع الشجاعة والخشوع لربه يا حبذا المحراب في المحراب

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب...

[1] رواه الترمذي وغيره، وهو في صحيح الجامع.

[2] (حسن) انظر حديث رقم (73) في صحيح الجامع.

[3] البداية والنهاية (7/15) .

[4] تاريخ خليفة بن خياط (1/386) .

[5] البداية والنهاية (7/15) .

الخطبة الثانية

الحمد لله على آلائه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا هو تعظيماً لشانه، والصلاة والسلام على نبينا محمد الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد، أيها المؤمنون هذه هي الفرصة قد أتتكم، فإن فرطتم فيها فقد أضعتم خيري الدنيا والآخرة، ها هي معسكرات التدريب قد فتحت أبوابها لكم يا من تريدون الجهاد، هذه أيام العشر لم يبق منها سوى ليال، من كان صادقاً في حبه للجهاد والشهادة فليري الله من نفسه خيراً، وليصقل النفس، ويربطها بالسماء ويخلصها من أغلال الأرض، فإن قاوم حنين الفراش، وسلطان النوم، فهو قادر بإذن الله على مقاومة حنين الدنيا، وسلطان ملذاتها، وهو قادر على بذل النفس رخيصة في سبيل الله.

أما من ضعف عن ساعات يقفها بين يدي الله في ظل بارد، وماء وارف، فهل بالله يقدر على وقوف ساعات في ساح الوغى، تحت قصف الطائرات، وزمجرة المدرعات، متقلب بين لهيب الشمس، وحرارة القيظ.

والليل يعرفهم عُباد هجعته والحرب تعرفهم في الروع فرسانا

هذا هو رسول الله قائد المجاهدين، وسيد العباد، وإمام الغر المحجلين، يعلمنا قيمة هذه الليالي، تحدث عائشة رضي الله عنها عنه قائلة: (كَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) رواه البخاري.

وفي صحيح مسلم أنه كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، أتدري يا عبد الله كيف كان يجتهد في غيرها، اسمع إلى حذيفة بن اليمان يقوم ليلة مع رسول الله: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت