فهرس الكتاب

الصفحة 6362 من 9994

وها هو يقوم الليل حتى تتشقق قدماه وتتفطر، فترحم عائشة هذا الجهد منه، وتقول له: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: (( أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا ) )وَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ.

وهل يقرأ القرآن هذا كما نقرأه نحن، أو ينتظر الفراغ من القراءة حتى يجلس، لا، اسمع إلى عبدالله بن الشخير يقول رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ: (( يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنْ الْبُكَاءِ ) ).

عباد الله، الحديث عن قيام الليل طويل، لا تجمعه كلمات في خطبة، ولا مقالات في كتاب، ولو جمعته، فإنه أفعال وأحوال، وليس مجرد عبارات وأقوال.

أيها الإخوة، نحن نعلم أنه أمر جليل، وحمل ثقيل لا يقدر عليه إلا منْ منَّ عليه الرب الرحيم، ولكن يا أيها الأخ، أريد أن أيسر عليك المطلب، وأذلل لك المركب، بخطوات تساق على عجل، وما لايدرك كله، لا يترك جُله.

تذكر يا رعاك الله، نزول الرب جل وعلا في جوف الليل الآخر كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ حيث يقول: (( مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) )، وتذكر أن ربك في علاه، تنزل لك، فهل تعرض عنه، وقد أتاك.

أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء الَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الاْخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الاْلْبَابِ [الزمر:9] .

ثم اعلم يا أخي أنك ستعرف زمان نصر هذه الأمة، إذا رأيت أبنائها ركعاً سجداً في محاريب الليل.

وبعد ذلك ليكن بدؤك في رحلة قيام الليل هينا، فعليك يا أخي أن تعالج نفسك بالاستيقاظ في جوف الليل لدقائق معدودة تذكر الله، وتستغفره، وتطلب منه دعوات معدودة، حتى إذا أحسست بالأنس بهذه الدقائق انتقل إلى مرحلة أخرى.

إذا وجدت في نفسك نشاطاً، فتوضأ وضوءاً خفيفاً، وصل وتراً، واحدة أو ثلاث، حتى إذا أصبح ذلك الأمر سجية لك، وأضحى فؤادك يتضجر لفقده، وتنتظر حلاوته، فاعلم أن الله وضعك على عتبات الطريق، فعندئذ اعمد إلى ورد من القرآن تقرؤه ولو في المصحف، في سكنات الليل، ونسمات السحر، ثم ناج ربك ومولاك بدعوات، وابتهالات، وانظر بعد كيف سيكون قلبك.

عباد الله، إن الأمة تعيش مخاضاً، والأرض تمور بأهلها، ونحن مقدمون على ملاحم لا يعلم نتائجها إلا رب الأرض والسماء، وإن لم نكن بقدرها، فسنغضب الرب، ونستحق لعنة الخلق، وسيطوينا التاريخ، فما أحوجنا لقيام الليل في هذه المحن.

إنه حق على كل مسلم في هذه الأيام الحرجة، أن يجعل له ورداً يومياً من الدعاء، يستنصر به رب الأرض والسماء على الصليبيين واليهود والمنافقين ومن والاهم، وأن يسأل الله النصر لإخوانه، في جوف الليل، لعل الله عز وجل يعذره بهذا الفعل القليل، ولعل الله أن يستجيب لهذه الآهات الصادقة، والحسرات المتألمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت