فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قوله: «انكسفت الشمس» وفي بعض الروايات «كسفت» وفي بعضها الآخر «خسفت» : أما كسفت فمعناه: ذهب ضوؤها واحتجبت، قال في المعجم الوسيط: «احتجاب نور الشمس أو نقصانه بوقوع القمر بينها وبين الأرض. وأما خسفت فمعناه: ذهب نورها أو نقص. قال الحافظ في الفتح: والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب (من أئمة اللغة) ، وذكر الجوهري أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغَلَّطَهُ لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وقيل: يقال بهما في كل منهما. أي بالكسوف والخسوف للشمس وكذلك للقمر، قال: وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف غير مدلول الخسوف من حيث اللغة؛ لأن الكسوف هو التغير إلى سواد، والخسوف هو النقصان أو الذل، فإن قيل في الشمس كسفت أو خسفت لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل في التفريق بين الكسوف والخسوف أن يكون بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، وقيل بالكاف لذهاب جميع الضوء (أي ما يسمي بالكلي) ، وبالخاء لبعضه، وقيل بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره. اهـ من فتح الباري بتصرف (جـ2/ ح7401) .
قوله: «يوم مات إبراهيم» أي تصادف ذلك في اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: وقد ذكر جمهور أهل السِّيَر أنه مات السنة العاشرة من الهجرة، وقيل: مات سنة تسع.
قوله صلى الله عليه وسلم: «آيتان من آيات الله» أي علامتان من الدلائل على وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قول الله تعالى: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا [الإسراء: 95] وكذا قوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي موسى: «يخوف الله بها عباده» .
قوله: «لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» : كان أهل الجاهلية إذا كسفت الشمس أو خسف القمر قالوا: إنما حدث ذلك بسبب موت عظيم من عظماء أهل الأرض، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك من آيات الله تعالى ولا تعلق للشمس ولا للقمر بالتأثير في الأرض ولا في أهل الأرض، وإذا كانت الشمس من أكبر الكواكب وهي لا تملك نفعًا ولا ضرًا فما دونها أولى بذلك كما كان أهل الجاهلية يعتقدون نزول المطر بتأثير الكواكب والأنواء. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بالله كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب» . وهنا ينفي النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث الكسوف أو الخسوف لموت أحد ولو كان ابنه صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ في الفتح: قوله (ولا لحياته) : استُشْكِلت هذه الزيادة، لأن السياق إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة، والجواب: أن ذكر الحياة مع الموت نفي أن يكون كل منهما سببًا في الكسوف، حتى لا يُتوهم أن نفي كونه سببًا للموت لا ينفي كونه سببا للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم.
قوله: «فإذا رأيتموهما» أي إذا رأيتم كسوف كل منهما، ولا يفهم من ذلك وقوع كسوفهما معا في وقت واحد فإن ذلك مُحَالٌ إلا أن يشاء الله. وفيه دليل على مشروعية الصلاة في خسوف القمر.
قوله في الحديث الثاني: «والله ما من أحد أغير من الله» : فيه القسم لتأكيد الخبر وإن كان السامع غير شاكٍ، وقوله: «ما من أحد أغير» «ما» حجازية و «مِنْ» زائدة وأحد اسم «ما» و «أغير» منصوب خبرها، ويجوز في «أغير» الرفع على أن «ما» تميمية فلا تعمل.
وأما غيرة الله تعالى وبلوغها الذروة فذلك ثابت في غير ما حديث، من ذلك حديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفِح عنه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتعجَبُون من غيرة سعدٍ، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المِدْحَةُ من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» .
[البخاري 6486، 6147 ـ مسلم 9941]
وقوله: «يا أمة محمد» : فيه معنى الإشفاق أولا، ثم فيه مبالغة في التواضع عند الوعظ ليكون أقرب إلى انتفاع من يسمعه.
وقوله: «أن يزني عبده أو تَزني أمته» : قال الحافظ في الفتح: لعل تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى لتنزهه سبحانه عن الزوجة والأهل ممن تتعلق بهم الغيرة غالبًا.
وقوله: «لو تعلمون ما أعلم» : أي من عظيم قدرة الله تعالى وانتقامه من أهل الكفر والمعاصي، وقيل معناه: لو دام علمكم كما دام علمي، لأن علمه متواصل بخلاف غيره، وقيل معناه: لو علمتم من سعة رحمة الله تعالى وحلمه وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.