فهرس الكتاب

الصفحة 6379 من 9994

وقوله في الحديث الثالث: «يخوف الله بها عباده» قال الحافظ في الفتح: فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد رَدَّ عليهم ذلك ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى حيث قال: «فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة» قالوا (أي العلماء) : فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى، فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف. وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعة يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف، وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله، وأن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له» وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة وقال: إنها لم تثبت فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة. قال ابن بزيزة: هذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة؟ مع أنها مبنية على أن العالم كُرِيُّ الشكل وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك، والثابت من قواعد الشريعة أن الكسوف أثر لإرادة الله الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتراب، قال الله تعالى: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون [القصص: 17027] .

ولقد شهد العالم كله الكسوف الكلي الذي حدث في مصر في منطقة السلوم شمالي البلاد، جاء الباحثون والراصدون من كثير من أنحاء العالم، ورأوا تحول النور إلى ظلمة في لحظات، فهل اعتبر أهل العلم وهل ادكر أهل الحسابات الفلكية؟ هل تفكر أحد في قدرة الله تعالى؟ هل ازداد المؤمنون إيمانًا؟ والله عز وجل ذكر علم النبات بعد إنزال المطر من السماء، وعلم الجبال، واختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام، ثم عقَّب على ذلك بأن العلماء وحدهم هم الذين يخشون الله تعالى حق الخشية فقال تعالى في سورة فاطر: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور [فاطر: 72-82] .

فالأصل أن العلم؛ أي علم من العلوم يؤدي إلى خشية الله تعالى ورد الأمر إليه وحده.

والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضا؛ لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا [الأعراف: 341] اهـ. كلام ابن بزيزة.

ثم قال ابن حجر: ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاووس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد يموت وقال: هي أخوف لله منا. وقال ابن دقيق العبد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: «يخوف الله بها عباده» وليس بشيء؛ لأن لله أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب فله أن يقطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرة الله تعالى على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء، إذا وقع أمر غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها. وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب حقا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى. اهـ

بين علم الشريعة وعلم الفلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت