فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال ابن قدامة:"و أما اعتبار حقيقة النداء ، فلا يمكن ، لأنه قد يكون من الناس الأصم و ثقيل السمع ، و قد يكون النداء بين يدي المنبر ، فلا يسمعه إلا من في الجامع ، و قد يكون المؤذن خفيَّ الصوت ، أو في يوم ذي ريح ، و يكون المستمع نائمًا أو مشغولًا بما يمنع السماع ، فلا يسمع ، و يسمع من هو أبعد منه ، فيفضي إلى وجوبها على البعيد دون القريب ، و ما هذا سبيله ينبغي أن يُقدَّر بمقدار لا يختلف ، و الموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب - إذا كان المنادي حيتّيتا في موضع عال و الريح ساكنة و الأصوات هادئة ، و المستمع سميع غير ساه و لا لاه - فرسخ أو قاربه فحدَّ به . و الله أعلم" (***) .
و قال محمد بن المنذر و ربيعة و هي رواية عن الزهري: أربعة أميال .
و قال ابن حزم: و يلزم المجيء إلى الجمعة من كان منها بحيث إذا زالت الشمس و قد توضأ قبل ذلك دخل الطريق إثر أول الزوال و مشى مترسلًا و يدرك منها و لو السلام ، سواء سمع النداء ، أو لم يسمع ، فمن كان بحيث إن فعل ما ذكرنا لم يدرك منها و لا السلام لم يلزمه المجيء إليها ، سمع النداء أو لم يسمع ، و هو قول ربيعة (1) .
و احتج بقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ) [ الجمعة: 9 ] .
قال: فافترض الله تعالى السعي إليها إذا نودي لها ، لا قبل ذلك ، و لم يشترط تعالى من سمع النداء ممن لم يسمعه ، و النداء لها إنما هو إذا زالت الشمس ، فمن أمر بالرواح قبل ذلك فرضًا ، فقد افترض ما لم يفترض الله تعالى في الآية ، و لا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فصح يقينًا أنه تعالى أمر بالرواح إليها إثر زوال الشمس لا قبل ذلك ، فصح أنه قبل ذلك فضيلة لا فريضة كمن قرب بدنة" (1) ."
و الأولى تعليق الحكم بما علق الله به ، و هو النداء إلى الجمعة ، و هذا الذي علق عليه الرسول صلى الله عليه و سلم الحكم عندما سأل ابن أم مكتوم:"أتسمع النداء ؟ قال: نعم . ، قال: أجب"، و هذا الضابط في حق من كان خارج المصر ، أما من كان داخل المصر فقد حكى النووي الإجماع على وجوب الجمعة عليه سمع النداء أم لم يسمع ، و أما ما ذهب إليه ابن حزم من عدم التفريق بين من كان داخل المصر و خارجه ، و بين من يسمع النداء و من لا يسمع ففضلًا عن كونه مخالف للإجماع (2) ، فإن القاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، يلزم منها أن من كان بالمصر يسمع النداء و لا يدرك الصلاة إذا خرج لها عند سماعه أنه يلزمه الخروج قبله ، و أما من كان خارج المصر و يسمع النداء و لكن لا يدرك الصلاة إذا خرج عند سماعه ، فقد يتوجه القول بما ذهب إليه لولا عموم الآية . و الله أعلم .
ثانيا: شروط صحة الجمعة:
1-الوقت:
و هذا مجمع عليه فلا تصح قبله و لا بعده .
و اختلف العلماء في وقت الجمعة على ثلاثة أقوال (1) :
الأول: أن وقتها هو وقت الظهر و لا يجوز قبله . و هو قول مالك و الشافعي و أبي حنيفة و جمهور العلماء من الصحابة و التابعين . و به قال ابن حزم .
الثاني: أنها تجوز قبل الزوال في الساعة السادسة . و هو قول أحمد و حكي عنه أنه قال في الساعة الخامسة . قال ابن قدامة: و الصحيح في الساعة السادسة .
الثالث: أنه يجوز فعلها في الوقت الذي تفعل فيه صلاة العيد . و هو قول القاضي و أصحابه من الحنابلة .
و احتج كل فريق على ما ذهب إليه ،
و أما أصحاب القول الأول فقد احتجوا على أن وقتها هو وقت الظهر بالآتي:
1-ما أخرجه البخاري من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس (2) .
و بوب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس .
قال الحافظ: جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده (3) .
2-ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمَّع مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء (4) .
3-قال النووي: و هذا هو المعروف من فعل السلف و الخلف ، قال الشافعي: صلى النبي صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و عمر و عثمان و الأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال (5) .
4-و أما المعتدل فقالوا:
لأنهما صلاتا وقت - أي الجمعة و الظهر - فكان وقتهما واحدًا ، كالمقصورة و التامة .
و لأن إحداهما بدل عن الأخرى ، و قائمة مقامها ، فأشبها الأصل المذكور .
و لأن آخر وقتهما واحد ، فكان أوله واحدًا ، كصلاة الحضر و السفر .
و احتج أصحاب القول الثاني بالآتي:
قال ابن قدامة:"و لنا عل جوازها في السادسة السنة و الإجماع:"
1-ما روى جابر بن عبد الله ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يُصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس" (1) . أخرجه مسلم ."