فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
و قال النووي:"قال أصحابنا: و لا يشترط إقامتها في مسجد ، و لكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها ، فلو صلوا خارج البلد لم تصح بلا خلاف ، سواء كان بقرب البلدة أو بعيدًا منه ، و سواء صلوها في ركن أم ساحة ، و دليله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"صلوا كما رأيتموني أصلي"و لم يُصلِ هكذا …" (2)
7-هل يشترط إذن السلطان ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
الأول: أنه لا يشترط ، و هو قول جمهور العلماء ، و به قال مالك و الشافعي و رواية عن أحمد و أبو ثور .
الثاني: أنه شرط ، رُوي ذلك عن الحسن و الأوزاعي ، و حبيب بن ثابت و أبي حنيفة .
قال ابن قدامة: و الصحيح أنه ليس بشرط (1) .
و احتج الموجوبون أنه لا يقيمها إلا الأئمة في كل عصر ، فصار ذلك إجماعًا .
قال ابن قدامة:"و لنا أن عليًا صلى الجمعة بالناس و عثمان محصور ، فلم ينكره أحد ، و صوَّب ذلك عثمان ، و أمر بالصلاة معهم … قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين ، فكانوا يُجمَّعون .. و لأنها من فرائض الأعيان ، فلم يُشترط لها إذن الإمام كالظهر ، و لأنها صلاة أشبهت سائر الصلوات . و ما ذكروه إجماعًا لا يصح ، فإن الناس يقيمون الجمعات في القرى من غير استئذان أحد . ثم لو صحَّ أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعًا على جواز ما وقع ، لا على تحريم غيره ، كالحج يتولاه الأئمة و ليس بشرط فيه …" (2) .
و على القول باشتراط إذن الإمام فإن تعذر لفتنة و نحوها فقال القاضي: ظاهر كلامه صحتها بغير إذن ، على كلتا الروايتين ، فعلى هذا يكون الإذن معتبرًا مع إمكانه و يسقط اعتباره بتعذره (3) .
و قال النووي:"قال الشافعي و الأصحاب: يستحب ألا تقام الجمعة إلا بإذن السلطان أو نائبه ، فإن أقيمت بغير إذنه و لا حضوره جاز و صحت ، و هكذا جزم به المصنف و الأصحاب ، و لا نعلم فيه خلافًا عندنا إلا ما ذكره صاحب البيان ، فإنه حكى قولًا قديمًا أنها لا تصح إلا خلف الإمام أو من أذن له الإمام ، و هذا شاذ ضعيف" (4) .
8-هل يشترط سماع النداء لوجوب الجمعة ؟
قال أحمد: أما أهل المصر فلابد لهم من شهود الجمعة ، سمعوا النداء أو لم يسمعوا ، و ذلك لأن البلد الواحد بُني للجمعة ، فلا فرق بين القريب و البعيد … و هذا قول أصحاب الرأي و نحوه قول الشافعي (1) .
و قال ابن عثيمين: إذا كان البلد واحدًا فإنه يلزمه ، و لو كان بينه و بين المسجد فراسخ (2) .
قال النووي:"قال الشافعي و الأصحاب: إذا كان في البلد أربعون فصاعدًا من أهل الكمال وجبت الجمعة على كل من فيه ، و إن اتسعت خطة البلد فراسخ ، و سواء سمع النداء أم لا وهذا مجمع عليه" (*) .
و أما غير أهل المصر فاختلف العلماء في وجوبها عليهم ، و القائلون بالوجوب اختلفوا في ضابطه أهو المسافة أم سماع النداء أم غير ذلك .
فقال أصحاب الرأي: لا جُمعة على من كان خارج المصر ، لأن عثمان رضى الله عنه صلى العيد في يوم الجمعة ، ثم قال لأهل العوالي (3) : من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف ، و من أراد أن يقيم حتى يُصلي الجمعة فليقم ، و لأنهم خارج المصر فأشبه أهل الحلل .
و قال الجمهور: عليه الجمعة ، ثم اختلفوا في ضابط ذلك:
فذهب الشافعية إلى وجوبها على من بلغه النداء دون غيره و هو رواية عن أحمد ، لحديث:"لا جمعة إلا على من سمع النداء" (4) و به قال ابن عمرو بن العاص و سعيد بن المسيب و أحمد و إسحاق .
و ذهب الأوزاعي و أبو ثور إلي وجوبها علي من يمكنه إذا فعلها أن يرجع إلى أهله فيبيت فيهم ، لحديث"الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" (5) ، و به قال ابن عمر بن الخطاب و أنس و أبو هريرة و معاوية و الحسن و نافع مولى ابن عمر و عكرمة و عطاء .
و قال الزهري: يجب علي من بينه و بين البلد ستة أميال .
و قال مالك و الليث: يجب علي من بينه و بين البلد ثلاثة أميال . و هو مذهب أحمد .
و اختاره ابن قدامة ، قال الحزمي: و تجب الجمعة علي من بينه و بين الجمعة فرسخ (**) .
و إنما اعتبروا المسافة دون السماع ، لأن سماع النداء غير ممكن دائمًا فاعتبر بمظنته ، و أما الفرسخ ، فلأنه الموضع الذي يسمع فيه غالبًا ، قالوا: و لأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ ، فهو في مظنة القرب .