فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال ابن قدامة:"فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم ، و هو الإقامة في قرية على الأوصاف المذكورة (1) ، لا يظعنون عنها صيفًا و لا شتاء …" (2) .
و في الاختيارات:"و تجب الجمعة علي من أقام في غير بناء كالخيام و بيوت الشعر و نحوها ، و هو أحد قولي الشافعي ، و حكاه الأزحي رواية عن أحمد ."
و قال أبو العباس في موضع آخر: يشترط مع إقامتهم في الخيام و نحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية" (3) ."
و ذلك أن البدو الذين كانوا حول المدينة و لم يأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بإقامة الجمعة مع انهم مستوطنون في أماكنهم ، لكونها ليست ببناء ، و لهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم (4) … .
لكن إن كانت لأهلها منازل دائمة يمكثون فيها سنوات طويلة لا يحملهم على الرحيل إلا الطارئ كالمحاربة أو غيرها فهؤلاء عليهم جمعة ، لأن العبرة ليست بنوع البناء و إنما بالاستيطان .
قال النووي:"قال أصحابنا: يشترط لصحة الجمعة أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها شتاء و صيفًا من تنعقد بهم الجمعة ، قال الشافعي و الأصحاب: سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب ، أو طين ، أو قصب ، أو سعف ، أو غيرها ، و سواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق و القرى الصغار و الأسراب المتخذة وطنًا ، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف ، لأنها لا تعد قرية ، و يرجع في الاجتماع و التفرق إلى العرف … و أما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من مواضعهم شتاء أو صيفًا لم تصح الجمعة فيها بلا خلاف ، و إن كانوا دائمين فيها شتاء و صيفًا و هي مجتمعة بعضها إلى بعض ، فقولان أصحهما باتفاق الأصحاب: لا تجب عليهم الجمعة و لا تصح منهم ، و به قطع الأكثرون و به قال مالك و أبو حنيفة . و الثاني: تجب عليهم و تصح منهم نص عليه البويطي و الله أعلم" (5) .
مسألة: اشتراط المدن لإقامة الجمعة:
و لا يشترط لإقامة الجمعة أن تكون في المدن دون غيرها ، بل تقام في القرى أيضًا ، و قد بوب البخاري بقوله: باب الجمعة في القرى و المدن .
قال الحافظ:"في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خص الجمعة بالمدن دون القرى ، و هو مروي عن الحنفية . و أسنده ابن أبي شيبة عن حذيفة و على و غيرهما . و عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم . و هذا يشمل المدن و القرى . أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة عن عمر ، و صححه ابن خزيمة …"
و عند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة و المدينة يجمعون فلا يعيب عليهم ، فلما اختلف الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع" (1) ."
قال ابن باز رحمه الله، في تعليقه على الفتح:
و هو فعل الجمعة في القرى كما فعل أهل جواثى في حياة النبي صلى الله عليه و سلم ، و ذلك يدل على مشروعية إقامة الجمعة بالقرى ، و الله أعلم (2) .
مسألة: هل يشترط المسجد ؟ (*)
قال في عون المعبود:"و ذهب البعض إلى اشتراط المسجد ، قال: لأنها لم تُقم إلا فيه ."
و قال أبو حنيفة و الشافعي و سائر العلماء إنه غير شرط ، و هو قوي إن صحت صلاته صلى الله عليه و آله و سلم في بطن الوادي ، و قد روى صلاته صلى الله عليه و آله و سلم في بطن الوادي ابن سعد و أهل السير ، و لو سُلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه" (3) ."
قال النووي:"لا تصح الجمعة عندنا إلا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة و لا تصح في الصحراء ، و به قال مالك و آخرون . و قال أبو حنيفة و أحمد: يجوز إقامتها لأهل المصر في الصحراء كالعيد . و احتج أصحابنا بما احتج به المصنف أن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه لم يفعلوها في الصحراء مع تطاول الأزمان و تكرر فعلها بخلاف العيد ، و قد قال صلى الله عليه و سلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي" (4) " (5) .
و قال ابن قدامة:"و لا يشترط لصحة الجمعة إقامتها في البنيان ، و يجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء ، و بهذا قال أبو حنيفة . و قال الشافعي: لا تجوز في غير البنيان ، لأنه بوضع يجوز لأهل المِصْر قصر الصلاة فيه ، فأشبه البعيد ."
و لنا أن مصعب بن عمير جمَّع بالأنصار في هَزْم النَّبيت في نقيع الخضمات ، و النقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مُدَّة ، فإذا نضب الماء نبت الكلأ .
و لأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة ، كالجامع ، و لأن الجمعة صلاة عيد ، فجازت في المصلى كصلاة الأضحى ، و لأن الأصل عدم اشتراط ذلك ، و لا نصَّ في اشتراطه ، و لا معنى نصًّ فلا يشترط" (1) ."