فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
و أما الخوف ، فلحديث ابن عباس مرفوعًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر"قالوا: و ما المعذور ؟ قال:"خوف أو مرض ، لم تقبل منه الصلاة التي صلى" (1) .
و الخوف ثلاثة أنواع:
أحدهما: الخوف على المال من سلطان أو لص ، أو يكون له خبز في تنور أو طبيخ على النار و ما أشبه ذلك ، فهذا كله عذر عن الجمعة و الجماعة ، لأنه خوف فيدخل في عموم الحديث .
الثاني: الخوف على نفسه ، مثل أن يخاف من سلطان يأخذه أو عدد أو سبع أو سيل .
الثالث: الخوف على ولده و أهله أن يضيعوا ، أو يكون ولده ضائعًا و يرجو وجوده في تلك الحال فيعذر بذلك لأنه خوف (2) .
5-هل يشترط عدد معين للجمعة ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا ، قال الحافظ في الفتح:"و جملة ما للعلماء فيه خمسة عشر قولًا:"
الأول: تصح من الواحد . نقله ابن حزم (1) .
الثاني: اثنان كالجماعة . و هو قول النخعي و أهل الظاهر و الحسن بن حي (2) .
الثالث: اثنان مع الإمام ، عند أبي يوسف و محمد (3) .
الرابع: ثلاثة معه . عند أبي حنيفة (4) .
الخامس: سبعة ، عند عكرمة (5) .
السادس: تسعة ، عند ربيعة (6) .
السابع: اثنا عشر ، عنه في رواية (7) .
الثامن: مثله غير الإمام ، عند إسحاق (1) .
التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك (2) .
العاشر: ثلاثون ، كذلك (3) .
الحادي عشر: أربعون بالإمام عند الشافعي (4) .
الثاني عشر: غير الإمام عنه ، و به قال عمر بن عبد العزيز و طائفة (5) .
الثالث عشر: خمسون عن أحمد في رواية ، و حكى عن عمر عبد العزيز (6) .
الرابع عشر: ثمانون حكاه المازري .
الخامس عشر: جمع كثير بغير قيد
قال الحافظ:"و لعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل ، و يمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادة شرط كالذكورة و الحرية و البلوغ و الإقامة و الاستيطان فيكمل بذلك عشرون قولًا" (1)
قال الشوكاني:"و أما اشتراط جمع كثير من دون تقييد بعدد مخصوص فمستنده أن الجمعة شعار ، و هو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المؤمنين ، و فيه أن كونها شعارًا لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء العدد الذي يحصل به ذلك ، على أن الطلب لها من العباد كتابًا و سنة مطلق عن اعتبار الشعار ، فما الدليل على اعتباره ؟ نيل الأوطار (3/233 ) "
و قد احتجت كل طائفة لقولها ببعض الآثار لا تخلو من ضعف أو مقال ، قال ابن حزم بعد أن ساق الآثار التي احتج بها أصحابها: فكل هذه آثار لا تصح ، ثم لو صحت لما كان في شيء منها حجة ، لأنه ليس في شيء منها إسقاط الجمعة عن أقل من العدد المذكور (2) ، إلا ما أخرجه البيهقي و أبو داود من حديث كعب بن مالك قال:"أول من جمَّع بنا في المدينة سعد بن زرارة قبل مقدم النبي صلى الله عليه و سلم في نقيع الخضمات . قلت - أي عبد الرحمن بن كعب -: كم كنتم ؟ قال: أربعون رجلًا" (3) .
قال ابن حزم بعد تصحيحه لهذا الخبر: و لا حجة له (4) في هذا ، لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقل إنه لا تجوز الجمعة بأقل من هذا العدد … (5)
قال ابن حزم:"و أما حجتنا فهي ما قد ذكرناه قبل من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له:"إذا سافرتما فأذنا و أقيما ، و ليؤمكما أكبركما" (6) ، فجعل عليه السلام للاثنين حكم الجماعة في الصلاة …" (7) .
و قال الشوكاني في النيل:"و اعلم أنه لا مستند لاشتراط ثمانين أو ثلاثين أو عشرين أو تسعة أو سبعة ، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد ، و أما من قال أنها تصح باثنين فاستدل بأن العدد واجب بالحديث و الإجماع ، و رأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص ، و قد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين ، و لا فرق بينها و بين الجماعة ، و لم يأت نص من رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، و هذا القول هو الراجح عندي…" (8) .
ذهب ابن تيميه إلى أنها تنعقد بثلاثة ، قال في الاختيارات:
"و تنعقد الجمعة بثلاثة ، واحد يخطب و اثنان يستمعان ، و هو إحدى الروايات عن أحمد ، و قول طائفة من العلماء.و قد يقال بوجوبها علىالأربعين لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم ، و تصح ممن دونهم ، لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين كالمريض ، بخلاف المسافر فإن فرضه ركعتان" (1) .
و قوى ابن عثيمين مذهب أهل الظاهر و قال: لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح ، إذ لابد من جماعة تستمع ، و أقلها اثنان ، و الخطيب هو الثالث ، و حديث أبي الدرداء (2) يؤيد ما قاله الشيخ (3) .
6-هل يشترط الاستيطان ببناء لوجوب الجمعة ؟
فاشترط كثير من العلماء الإقامة في قرية مبنية بحجارة أو لبن أو قصب أو ما جرت به العادة ، لا يظعن عنها صيفًا أو شتاء ، و أما أهل الخيام و بيوت الشعر فلا جمعة عليهم .