فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 9994

الثاني: أنه غير مطالب بها بنفسه ، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون عددهم مائة مثلًا ، و ليس بينهم مستوطنون غير مسافرون ممن تنعقد بهم الجمعة ، فلا تلزمهم الجمعة ، و في صحتها منهم لو صلوها خلاف

و لكنه يطالب بها بغيره ، بمعنى أنه لو وجد جماعة مسلمون مسافرون في بلد تقام فيه الجمعة لزمتهم الجمعة بغيرهم ، لعموم الأدلة في إجابة النداء ليوم الجمعة .

و على هذا يمكن حمل كلام من أهل العلم ممن يلزمون المسافر بالجمعة علي ذلك ، كالزهري و النخعي حيث نقل النووي عنهم: إذا سمع النداء لزمته …

و إلى هذا القول ذهب الشيخ ابن عثيمين حفظه الله حيث قال:"أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة ، كما لو مر إنسان في السفر ببلد و دخل فيه ليقيل ، و يستمر في سيره بعد الظهر فإنها تلزمه الجمعة لعموم قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع ) [ الجمعة: 9 ] و هذا عام ، و لم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله صلى الله عليه و سلم و يبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة ، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي صلى الله عليه و سلم" (2) .

فإن قيل: و لم لا يدخل المسافر في عموم الآية في إلزامه بالجمعة إذا كانوا جماعة تنعقد بهم جمعة ، و ما وجه التفريق بين هذا و ذاك ؟

فالجواب أنه في هذا الحال فلا نداء أصلًا ليدخل المسافر في عمومه ، و نحن نقول إن كان هناك نداء للجمعة لزمه الإجابة ، و لا نلزمه هو بإحداث هذا النداء .

قال النووي:"قال أصحابنا: الناس في الجمعة ستة أقسام:"

أحدهما: من تلزمه و تنعقد به ، و هو الذكر الحر البالغ العاقل المستوطن الذي لا عذر له .

الثاني: من تنعقد به و لا تلزمه و هو المريض و الممرض و من في طريقه مطر و نحوهم من المعذورين ، و لنا قول شاذ ضعيف جدًا أنها لا تنعقد بالمريض .. حكاه الرافعي .

الثالث: من لا تلزمه و لا تنعقد به و لا تصح منه ، و هو المجنون و المغمى عليه و كذا المميز و العبد و المسافر و المرأة و الخنثى .

الخامس (1) : من لا تلزمه و لا تصح منه و هو المرتد .

السادس: من تلزمه و تصح منه و في انعقادها به خلاف وهو المقيم غير المستوطن ففيه الوجهان المذكوران في الكتاب ، أصحهما: لا تنعقد به" (2) ."

4-عدم العذر ، سواء كان العذر لمرض أو مطر أو خوف .

و أما المرض ، فلحديث طارق بن شهاب مرفوعًا عند أبي داود"الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض".

قال النووي:"لا تجب الجمعة على المريض سواء فاتت الجمعة على أهل القرية بتخلفه لنقصان العدد أم لا ، لحديث طارق و غيره . قال البندنيجي: لو تكلف المريض المشقة و حضر كان أفضل ."

قال أصحابنا:المرض المسقط للجمعة هو الذي يلحق صاحبه بقصد الجمعة مشقة ظاهرة غير محتملة .قال المتولي: و يلتحق بالمريض في هذا من به إسهال كثير . قال: فإن كان بحيث [ لا ] (1) يضبط نفسه حرم عليه حضور الجمعة لأنه لا يؤمن تلويثه المسجد . قال إمام الحرمين: فهذا المرض المسقط للجمعة أخف من المرض المسقط للقيام في الفريضة" (2) ."

و قال:"الأعمى إن وجد قائدًا متبرعًا أو بأجرة المثل و هو واجدها لزمته الجمعة و إلا فلا تجب عليه . هكذا أطلقه المصنف (3) و الجمهور ، و قال القاضي حسين و المتولي: تلزمه إن أحسن المشي بالعصا بلا قائد . هذا تفصيل مذهبنا . و ممن قال بوجوب الجمعة على الأعمى الذي يجد قائدًا مالك و أحمد و أبو يوسف و محمد و داود ، و قال أبو حنيفة: لا تجب" (4) .

و أما المطر ، فلحديث ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الباردة: ( صلوا في رحالكم ) . و المطر الذي يعذر به هو الذي يبل الثياب ، لأن في الخروج فيه مشقة .

و بوب البخاري باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر ، و أورد حديث ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله ، فلا تقل: حي على الصلاة ، قل: صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا ، قال: فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة ، و إني كرهت أن أُحرجكم فتمشون في الطين و الدحض (*) ، و الدحض هو الزلق .

قال الحافظ: و به قال الجمهور . و منهم من فرق بين قليل المطر و كثيره ، و عن مالك: لا يرخص في تركها بالمطر . و حديث ابن عباس هذا حجة في الجواز (**) أ ه.

و مثل المطر في المشقة الريح أو العواصف الشديدة و البرد الشديد غير المعتاد و الذي يشق على الناس الخروج فيه للصلاة ، و كل أمر تلحق الناس فيه مشقة عظيمة يعذرون به في ترك الجمعة و الجماعة .

و ذهب بعض العلماء إلى البرد الشديد لا يبيح التخلف عنها بلا ريح لسهولة اتقائه ، و لا الريح دون برد لأنها لا تضر إلا إذا آذت الأعين و عاقت المسير ، فمدار الأمر إذن المشقة .

و حكي عن مالك أنه كان لا يجعل المطر عذرًا في التخلف عن الجمعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت