فهرس الكتاب

الصفحة 6386 من 9994

(ألا أحدثكم بحديث لا يحدثكم به أحد غيري ؟ قالوا: بلى .. قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوساً فضحك ثم قال:"أتدرون ممّ ضحكت ؟"قالوا: الله ورسوله أعلم .. قال صلى الله عليه وسلم:"عجبت للمؤمن , إن الله عز وجل لا يقضي قضاء إلا كان خيراً له) ."

فليعلم المكروب أن حظه من المصيبة ما يحدث له , فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط , من رضي بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر , ومن لم يرضَ بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله , فقضاء الله نافذ كالسيف وأمره واقع لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه , ولكن العبد هو الذي يربح أو يخسر بحسب رضاه وسخطه , جعلنا الله من الراضين بقضائه وقدره.

ولنعش أيها الأحبة مع الراضين دقائق غالية قليلة، لنتخذهم أسوة وقدوة ومثلاً من باب:

سيروا كما ساروا لتجنوا ما جنوا وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

قال أبو الحسن المدائني عليه رحمة الله:

دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك في مرضه رحمهم الله جميعاً فقال: يا بني كيف تجدك ؟

قال: تجدني أبتاه في الموت.

قال: يا بني , لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك.

فقال الابن: يا أبتي , والله لأن يكون ما تحبه أحب إلي من أن يكون ما أحبه.

ثم مات عليه رحمة الله.

ويروي الإمام أحمد في الزهد عن زياد بن أبي حسان أنه شهد عمر رحمه الله حين دفن عبد الملك ابنه , قد استوى قائماً عند القبر وأحاط به الناس فقال:

والله يا بني , لقد كنت باراً بأبيك , والله ما زلت مسروراً بك مذ وهبك الله لي إلى أن استودعك الله في المنزل الذي صيّرك الله إليه , فرحمك الله وغفر ذنبك وجزاك بأحسن عملك , ورحم كل شافعٍ يشفع لك بخير شاهد أو غائبٍ , رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمر الله والحمد لله رب العالمين , وإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم انصرف ورجع إلى مجلسه.

وكان قبل وفاة عبد الملك قد هلك أخوه سهل وهو من أحب أخوته , وهلك مولاه مزاحم وهو عزيز عليه , كل ذلك في أوقات متتابعة , فلما استوى في مجلسه جاء الربيع بن ثبرة عليه رحمة الله فقال:

عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين , ما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك , ما رأيت مثل ابنك ابناً , ولا مثل أخيك أخاً , ولا مثل مولاك مولىً قط.

فطأطأ رأسه عمر رحمه الله، فقال أحد الحاضرين: لقد هيّجت عليه.

فقال: كيف قلت يا ربيع ؟ أعد.

قال: فأعدت عليه , فقال: لا والذي قضى عليهم الموت , ما أحب أن شيئاً كان من ذلك لم يكن.

فيا أيها الكون منه استمع ويا أذن الدهر عنه افهمي

وروى ابن أبي حاتم بسنده عن خالد بن يزيد عن عياض عن عقبة أنه مات له ابن يقال له يحيى، فلما نزل بقبره قال له رجل:

والله إن كان لسيد الجيش فاحتسبه.

فقال والده: وما يمنعني أن أحتسبه وقد كان من زينة الحياة الدنيا وهو اليوم من الباقيات الصالحات؟.

فلله ما أحسن فهمهم , ولله ما أحسن تعزيتهم لأنفسهم .. وثقتهم بما أعطى الله عز وجل من ثواب للصابرين ... ولا ينُسى إن نُسِي أمر يوم وقع الطاعون بأرض الشام كما في السير للذهبي فخطب الناس عمرو رضي الله عنه فقال:

إن هذا الطاعون رجز ففروا منه بالأودية والشعاب.

فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه فغضب وجاء يجر ثوبه ونعلاه في يده قائلاً: لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسمعوا , الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم , يستشهد الله به أنفسكم ويزكي أعمالكم.

فبلغ ذلك معاذاً رضي الله عنه وهو يتوق للشهادة فقال:

اللهم اجعل نصيب أهل بيت معاذ الأوفر منه.

لأنه يعلم أن من أصيب به له مثل أجر الشهيد, فتصاب ابنتاه الاثنتان وتموتان فدفنهما بقبرٍ واحد وحمد الله واسترجع، ثم أصيب ابنه عبد الرحمن وهو من أعز أبنائه.

فقال معاذا لابنه: كيف تجدك؟

قال: أبتاه , الحق من ربك فلا تكن من الممترين.

فقال معاذ رضي الله عنه: ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

ثم توفي رحمه الله ,ثم أصاب الطاعون كف معاذ رضي الله عنه وأرضاه , فجعل يقبلها ويقول:

لهيَ أحب إليّ من حمر النعم , ثم يغشى عليه , فإذا أسري عنه قال:

يارب غم غمك واخنق خنقك فوعزتك إنك لتعلم أني لأحبك.

ثم لقي الله عز وجل بعد أن احتسب أهل بيته جميعاً فماكان إلا الرضا والتسليم بقضائه وقدره.

وقبل ذلك لمعاذ يروى عن المعافى بن عمران عن شهاب بن خراش عن عبد الرحمن بن غن قال:

دخلنا على معاذ رضي الله عنه وهو قاعد عند رأس ابنه وهو يجود بنفسه فما ملكنا أنفسنا إلا أن ذرفت أعيننا وانتحب بعضنا فزجره معاذ وقال:

صَه, فو الله لأن يعلم الله برضاي بهذا أحب إلي من كل غزاةٍ غزوتها, من كان عليه عزيزاً وبه ضنيناً فصبر على مصيبته واحتسبه أبدل الله الميت داراً خيراً من داره وقراراً خيراً من قراره , وأبدل المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت