فهرس الكتاب

الصفحة 6387 من 9994

قال: فما برحنا حتى قضى الغلام فقام وغسله وحنّطه و كفنه وصلينا عليه ثم نزل في قبره ووضعه وسوّى عليه التراب ثم رجع إلى مجلسه فدعى بدهن فادّهن وبكحل فاكتحل وببردة جميلة فلبسها , وأكثر من التبسم ينوي ما ينوي, ثم قال:

إنا لله وإنا إليه راجعون , في الله خلف من كل هالك , وعزاءٌ من كل مصيبة , ولله الأمر من قبل ومن بعد ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولسان حاله:

كل ما كان من قضاء فيحلو بفؤادي نزوله ويطيبُ

أيها الأحبة , لا زلنا في رياض الراضين بالقضاء , نعيش لنعتبر ونتعظ ونسلو ونرضى.

يقول أبو علي رحمه الله:

صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكاً ولا متبسماً إلا يوم مات ولده علي رحمه الله , فقلت: ما هذا ؟ قال: إن الله سبحانه أحب أمراً فأحببت أن أحب ما أحب الله , وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وضحك أحد السلف يوم مات ابنه فقيل:

أتضحك في مثل هذا الحال ؟ قال: نعم , أردت أن أرغم الشيطان , وقضى الله القضاء فأحب أن أرضى بقضائه فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

ويشتكي ابن لعبد الله بن عمر رضي الله عنهم فيشتد وجده عليه , حتى قال بعض القوم:

لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث بهذا الغلام حدث , وشاء الله فمات هذا الغلام فخرج عمر في جنازته , وما أبدى رجل سروراً إلا ابن عمر , فقيل:

ما هذا ؟ قد خشينا عليك يابن عمر, قال: إنما تلك كانت رحمة به , فلما وقع أمر الله رضينا به.

لا تعجبوا ولا تدهشوا , إنه ابن عمر بن الخطاب والفرع للأصل ينسب رضي الله عن الجميع الذي قال يوماً ما: ما من أهلٍ ولا مالٍ ولا ولدٍ إلا وأنا أحب أن أقول عليه إنا لله وإنا إليه راجعون إلا عبدالله بن عمر فإني أرجو أن يطول في عمره.

وذلك لعلمه بمنفعته للناس والأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى.

ويروى أن شريحاً القاضي مات له صبي فجهزه وغسله ودفنه بالليل ولم يشعر به أحد ولما جلس للقضاء من غدٍ جاء الناس على حسب العادة يعودونه ويسألونه عنه فقال:

الحمد لله , الآن فقد الأنين والوجع، ففرح الناس وظنوا أنه قد عوفي من مرضه.

فقال وهو يضحك: احتسبناه في جنب الله , وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ويذكر ابن الجزي عليه رحمة الله في عيون الحكايات قال الأصمعي:

خرجت أنا وصديقٍ لي إلى البادية فظللنا الطريق فإذا نحن بخيمةٍ عن يمين الطريق فقصدنا نحوها فسلمنا فإذا عجوز ترد السلام ثم قالت: من أنتم ؟

قلنا: قوم ضللنا الطريق وأنسنا بكم وقوم جياع.

فقالت: ولوا وجوهكم حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل.

ففعلنا وجلسنا على فراشٍ ألقته لنا وإذا ببعير مقبل عليه راكب وإذا بها تقول:

أسأل الله بركة المقبل , أما البعير فبعير ولدي وأما راكبه فليس بولدي.

وجاء الراكب فقال: السلام عليك يا أم عقيل , أعظم الله أجرك في عقيل.

فقالت: ويحك , أو قد مات عقيل ؟

قال: نعم .. قالت: ما سبب موته ؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر.

فقالت له: انزل .. ودفعت له كبشاً ونحن مندهشون، فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام فجعلنا نتعجب من صبرها فلما فرغنا قالت:

هل فيكم أحد يحسن من كتاب الله عز وجل شيئاً؟

قلنا: نعم .. قالت: فاقرؤوا علي آياتٍ أتعزى بها عن ابني.

فقلت: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * ) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). قالت: ءآلله إنها لفي كتاب الله ؟ قلت: والله إنها لفي كتاب الله.

قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون , صبراً جميلاً وعند الله أحتسب عقيلاً اللهم إني فعلت ما أمرتن بي به فأنجز لي ما وعدتني , ولو بقي أحد لأحد لبقي محمد صلى الله عليه وسلم لأمته.

قال: فخرجنا ونحن نقول: ما أكمل منها ولا أجزل لما علمت أن الموت لا دافع له و لا محيص عنه , وإن الجزع لا يجدي نفعاً وأن البكاء لا يرد هالكاً , رجعت إلى الصبر الجميل والرضا بقضاء السميع العليم و احتسبت ابنها عند الله عز وجل ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة.

فما أجمل الرضى بقضاء الله في كشف محن المصاب وكرباته , هذه سجايا السلف صبر واحتساب وتجلد وتحمل ورضى واسترجاع وبعد عن التسخط والجزع والتذمر عند المصاب ..

لهم قدرهم باعتبار الرجال وسمعتهم في ذرى الأنجم ِ

أنتم كهم ومن يشابه أباه فما ظلم .

ولنعلم أن البكاء الذي لا صوت معه ولا تسخط لا يعارض الرضا , فأشد الناس حرصاً على رضا مولاهم هم الأنبياء , وأرضى الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بكى يوم مات ابنه إبراهيم رأفة ورحمة منه للولد ورقة عليه وقلبه ممتلئ بالرضا ولسانه مشتغل بحمد الله وذكره وهذا أكمل هديٍ وأتمه , فإنه صلى الله عليه وسلم حملته الرحمة بالطفل على البكاء , ومحبة الله على الرضا وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت