فهرس الكتاب

الصفحة 6389 من 9994

قال السفاريني عليه رحمة الله: المصائب تتفاوت , فأعظمها مصيبة الدين، نعوذ بالله من ذلك فإنها أعظم مصيبة, والمسلوب من سُلِب دينه.

وكل كسرٍ لعل الله جابره وما لكسر قناة الدين جبرانُ

فإذا رأيت إنساناً لا يبالي بما أصابه في دينه من ارتكاب الذنوب و الخطايا ومن فوات الجمعة والجماعة وأوقات الطاعة وولوغٍ في المحرمات ومن انتهاكٍ للحرمات , وانتهاك لحدود الله وتجاوز لها فاعلم أنه المصاب حقاً , ثم اعلم أخرى أنه ميت لا يحس بألم المصيبة ولا يشعر:

(إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) . وبعد مصيبة الدين المصيبة في النفس ثم في الأهل ثم في المال , وكلها تتفاوت وتتدرج إلى أن تكون المصيبة في الشوكة وفي قطع شسع النعل، وهذا في غاية الخسة كما تعلمون.

ولذا يقول شريح عليه رحمة الله: (إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات , أحمده إذ لم يجعلها أعظم مما هي عليه وأحمده إذ رزقني الصبر عليها والاحتساب , وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب , وأحمده أن لم يجعلها في ديني فإن من كل شيءٍ عوضاً إلا الدين) .

من كل شيءٍ إذا ضيّعته عوض وما من الدين إن ضيعت من عوضِ

ثامناً: ومما يكشف الكربة:-

العلم بأن الدنيا فانية زائلة , وكل ما فيها يتغير ويحول ويفنى ويزول , لأنها إلى الآخرة طريق وهي مزرعة للآخرة على التحقيق , إنها ألم يخفيه أمل , وأمل يحققه بإذن الله عمل , وعمل يقطعه الأجل , وعندها يجزى كل امرئٍ بما فعل , إنها الدنيا إن حلت أوحَلت , وكست أوكست , ودنت أودنت , وكم من ملكٍ رفعت له علامات , فلما علا مات.

هي الأيام لا يبقى عزيز وساعات السرور بها قليلة

إذا نشر الضياء عليك نجم وأشرق فارتقب يوماً أفوله

إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً , وإن سرّت يوماً أحزنت شهوراً , وإن متعت كثيراً منعت طويلاً , لا يبقى لها حبور و لا يدوم فيها ثبور .

اليوم عندك دلّها وحديثها وغداً لغيرك كفها والمعصمُ

قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) . ما أدق التعبير القرآني ! عندما يشير إلى أن الحياة الدنيا يوم توزن بموازين الدنيا تبدو أمراً عظيماً هائلاً , لكنها حين تقاس وتوزن بموازين الآخرة تبدو شيئاً تافهاً زهيداً حقيراً، بل لعبة أطفال.

ثم تأتي الصورة القرآنية لتصور الدنيا كزرع أعجب الزارع نباته ينمو شيئاً فشيئاً حتى يكتمل ثم يهيج فتراه مصفراً جاهزاً للحصاد , فهو موقوت الأجل ينتهي عاجلاً ويبلغ أجله قريباً ثم يكون حطاماً وينتهي شريط الحياة بمشهد الحطام ويا لها من نهاية.

وأما الآخرة فلها شأن وأي شأن ؟ يستحق شأنها أن يحسب حسابه وينظر إليه ويستعد له , وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.

فهي لا تنتهي في لمحة كالحياة الدنيا وهي لا تنتهي إلى حطامٍ كالنبات البالغ أجله , بل حساب وجزاء ودوام يستحق الاهتمام (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) فإنما يستمد قوامه من الغرور الخادع يلهي وينسي وينتهي بأهله إلى غرور خادع , فما أحوج المؤمن إلى الاستعلاء على الغرور الخادع ليحقق عقيدته ولو اقتضى أن يضحي بالحياة الدنيا جميعها , فما هي إلا حطام أو كظل وسراب.

روى الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن قال: قال صلى الله عليه وسلم:

(مالي وللدنيا ؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها) .

أحلام نوم , أو كظلٍ زائلِ إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ

يقول بعض أهل العلم: (لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه فيما بسط لنا منها , ذلك لم يرضَ الله لنبيه بالدنيا , فلأن أكون فيما رضي الله لنبيه وأحبه له أحب إلي من أكون كما كره له وسخط) .

وأجمل بقول ابن القيم من قول يوم قال يشبه الدنيا يقول: (أشبه الأشياء بالدنيا الظل , تحسب له حقيقة ثابتة وهو في تقلصٍ وانقباض , تتبعه لتدركه فلا تلحقه , وأشبه الأشياء بالدنيا السراب) : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) . وأشبه الأشياء بالدنيا المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره , فإذا استيقظ علم ذلك أن لا حقيقة له.

ترجو البقاء بدارٍ لا ثبات لها فهل سمعت بظلٍ غير منتقل ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت