فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
حياتها رصد وشربها كدر وعيشها نكدٌ وملكها دولُ
من ذا الذي قد نال راحة فكره ؟ في عسره من عمره أو يسره ؟
يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره
فيظل هذا ساخطاً في قلّه ويظل هذا ناصباً في كثره
سُن البلا ولكل شملٍ فرقة يُرمى بها في يومه أو شهره
والجن مثل الإنس يجري فيهمُ حكم القضاء بحلوّه وبمرّه
أوَ ما ترى الرجل العزيز بجنده رهن الهموم على جلالة قدره ؟
فيسرّه خيرٌ وفي أعقابه همٌ تضيق به جوانب صدره
وأخو التجارة لاهث متفكّر مما يلاقي في خسارة سعره
وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الر .... جل الوحيد كمينة في صدره
ولرب طالب راحة في نومه جاءته أحلام فهامَ بأمره
والطفل من بطن أمه يخرج إلى غصص الفطام تروعه في صغره
ولقد خبرت الطير في أوكارها فوجدت منها ما يُصاد بوكره
والوحش يأتيه الردى في برّه والحوت يأتي حتفه في بحره
ولربما تأتي السباع لميت فاستخرجته من قرارة قبره
تالله لو عاش الفتى في دهره ألفاً من الأعوام مالك أمره
متلذذاً معهم بكل لذيذة متنعماً بالعيش مدة عمره
لا يعتريه النقص في أحواله كلا ولا تجري الهموم بفكره
ما كان ذلك كله في أن يفي بمبيتِ أول ليلة في قبره
كيف الفعال أيا أخي في ما ترى ؟ .... صبراً على حلو القضاء ومرّه
صبراً ! فغمسة في الجنة تنسي كل شقاء وهم وبلاء , وغمسة في النار والعياذ بالله تنسي كل لذة ونعيم.
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغرّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سرّه زمن ساءته أزمان
كم من مؤمل أدركه الموت قبل تحقيق أمله , وكم من زرع عاش , ومات زارعه.
لما حضرت الوفاة سيبويه النحوي رحمه الله وضع رأسه في حجر أخيه ثم أغمي عليه فقطرت دمعة من دموع أخيه على خده فأفاق من غشيته متمثلاً بقول الشاعر:
يؤمل دنيا لتبقى له فمات المؤمل قبل الأمل
وبات يروّي أصول النخيل فعاش النخيل ومات الرجل
ثم قال لأخيه:
أخيّين كنا فرق الله بيننا إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهر ؟
ثم لقي الله عز وجل.
هذه هي الحياة الدنيا، والآخرة هي الحياة لو كانوا يعلمون.
إنما الدنيا هبات وعوارٍ مستردّة
شدة بعد رخاءٍ ورخاءٌ بعد شدة
ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة:-
تذكر ما في البلاء من لطائف وفوائد , منها على سبيل المثال:
أولاً: تذكير العبد بذنوبه فربما تاب إلى الله عز وجل , فالتوبة لله تعالى أعظم عزاء له من كل شيء.
يقول بعض السلف: إن العبد ليصاب بالمصيبة فيذكر ذنوبه فيخرج من عينه مثل رأس الذباب دمعاً من خشية الله فيغفر الله عز وجل له.
ثانياً: زوال قسوة القلب مع حدوث رقة القلب وانكسار العبد لله عز وجل وذلك ملاحظ في المصائب , وذلك والله خير من كثيرٍ من طاعات الطائعين فانكسار المذنب خير وأعظم من صولة المطيع.
ثالثاً: البلاء يوجب من العبد الرجوع إلى الله عز وجل والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة له والدعاء وهذا من أعظم فوائد البلاء، فببعض الأثر: إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه ودعاءه.
رابعاً: البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين ,ويوجب له الإقبال على الخالق الذي لا شريك له، فالمشركون وهم مشركون حكى الله عنهم إخلاص الدعاء عند الشدائد: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، فكيف بالمؤمنين ؟
خامساً: رحمة أهل البلاء ومساعدتهم على بلواهم فإن العبد إذا أحس بألم المصيبة رق قلبه لأهل المصائب والبلايا ورحمهم .
وأخيرا: معرفة قيمة وقدر العافية , فإن النعم لا تُعرف أقدارها إلا بعد فقدها , فلا يعرف نعمة إلا من ذاق مرارة ضدها , وبضدها تتميز الأشياء , فمن تأمل هذه اللطائف زال ما به وانشرح صدره وانفرج همه بإذن ربه.
ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة:
لطيف التعزية عند فقد الأعزة , فإن الكلمة الطيبة للمصاب يثبت بها بإذن الله , ويغدو صبره عليها سهلاً يسيراً فإن المؤمن كما تعلمون قليل بنفسه كثير بإخوانه ضعيف بنفسه قوي بإخوانه شديد بأعوانه فإذا وجد هذا يعزيه وهذا يسليه سهلت عليه الأمور العظام وكشف ما به بإذن الله رب السماء والأرض.
ولذا فإن الشارع بحكمته البالغة شرع التعزية لأهل المصيبة والدعاء لهم بالثبات والأجر والخلف وللميت بالرحمة والمغفرة.